الرئيسية / أخبار / واشنطن تسعى إلى إعادة تأهيل نظام البشير

واشنطن تسعى إلى إعادة تأهيل نظام البشير

Sudan voices
يعني قرار الولايات المتحدة الجمعة برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان اعتراف واشنطن بإحراز الخرطوم تقدما في محاربة الإرهاب وملف النزاعات الداخلية، في خطوة لافتة يتوقع امتداد تأثيراتها على التفاعلات الإقليمية والدولية في شرق أفريقيا.

مراقبة دقيقة للسلوك السوداني

خالد حنفي *

القاهرة – يشكل قرار الولايات المتحدة الجمعة برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان بعد قرابة عقدين من فرضها، منعطفا جديدا ينقل العلاقات بين البلدين من المسار الصدامي إلى المسار التعاوني.

جاء القرار بعد 16 شهرا من رسائل “الانفراج المتبادلة” بين واشنطن والخرطوم، بدأت بالأساس إبان إدارة باراك أوباما التي بدأت بتخفيف العقوبات الاقتصادية مؤقتا في يناير 2017، على إثر التقييم الإيجابي لسياسات السودان تجاه خطة المسارات الخمسة، والتي تتضمن قضايا من قبيل مكافحة الإرهاب، ووقف إطلاق النار في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وتسهيل وصول المساعدات إلى مناطق النزاعات، ودعم السلام في جنوب السودان، وتحسين سجل حقوق الإنسان.

وكان أوباما قد رمى الكرة آنذاك إلى ملعب خليفته دونالد ترامب للمزيد من مراقبة السلوك السوداني لستة أشهر إضافية، وهو ما دفع الأخير إلى إرجاء القرار برفع العقوبات من يوليو الماضي إلى أكتوبر الجاري، بذريعة سجل السودان في حقوق الإنسان وبروز اتهامات بشأن شراء أسلحة من كوريا الشمالية.

السؤال الأكثر أهمية وراء مشهد الانفراج في العلاقات الأميركية السودانية: هل بالفعل استكمل النظام السوداني شروط إعادة تأهيله من المنظور الأميركي، بما ينقله من معسكر الخصوم إلى الحلفاء؟

تكمن أهمية السؤال في أن العقوبات، كأداة أساسية للسياسة الخارجية الأميركية لترويض الأنظمة المعارضة لمصالحها، لا يتم التخلي عنها دفعة واحدة، وإنما تأخذ طابعا تدريجيا لمراقبة مدى اتساق سلوك هذه الأنظمة مع المطالب الأميركية.

يتجلى المنطق الأميركي عند النظر إلى أن رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان لم يمنع استمرار عقوبات أخرى تظل سيفا مسلطا على سلوكيات نظام البشير.

فلا يزال السودان مدرجا على لائحة الدول الراعية للإرهاب منذ العام 1993، ما يعني استمرار فرض حظر أميركي على مبيعات السلاح له، وعقوبات أخرى فرضت في العام 2006، على خلفية انتهاكات أزمة دارفور في العام 2003، جعلت لاحقا الرئيس السوداني عمر البشير مطلوبا منذ العام 2009 أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم إبادة جماعية في دارفور.

قرار رفع العقوبات لا يعني حلول “الثقة الكاملة” بين الخرطوم وواشنطن
تبدو معادلة واشنطن المتراوحة بين احتواء السودان وإبقائه قيد التهديد واضحة في بيان المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر ناورت، عندما بررت رفع العقوبات الاقتصادية بأنه نتاج التصرفات الإيجابية للسودان، لكنها في المقابل بعثت برسالة تحذيرية بأن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام أدوات ضغط جديدة، إذا تراجع السودان عن التقدم في المسارات الخمسة أو اتخذ إجراءات سلبية بشأن مجالات اهتمام أخرى.

ويظهر التحسب الأميركي تجاه السلوك السوداني أكثر إذا تم التدقيق في ما جرى قبل رفع العقوبات، حيث بعثت واشنطن رسائل انفراج وعكسها في آن واحد. فمثلا، شهد شهر سبتمبر الماضي صدور قرارين لإدارة ترامب بخصوص السودان؛ الأول: إزالة اسم السودان من قائمة الدول الست التي حظرت الولايات المتحدة دخول رعاياها، والثاني: إلغاء قرار أميركي صدر في العام 1997 بالحماية المؤقتة للسودانيين المهاجرين في الولايات المتحدة، والذي كان يحميهم من الترحيل لاعتبارات غياب الأمن في أوطانهم.

لكن القرارين الإيجابيين تجاه السودان لم يمنعا بالمقابل رسائل مضادة، من قبيل توجيه السفارة الأميركية في الخرطوم في شهر سبتمبر الماضي انتقادات حادة لاستخدام الحكومة القوة المفرطة في اشتباكات بين قوات الأمن والنازحين سقط فيها قتلى وجرحى في معسكر “كلمة” في ولاية جنوب دارفور، على خلفية زيارة الرئيس البشير إلى المنطقة، كما طالبت السفارة الأميركية بتحقيق فوري في الأحداث.

وأدرجت واشنطن السودان مع كل من إيران وفنزويلا في أواخر سبتمبر الماضي أيضا على قائمة أميركية للدول المتقاعسة عن محاربة الاتجار بالبشر، وهو ما أسفت له الخرطوم معتبرة أن القرار لم يقدر الجهود التي بذلتها السودان في هذا الشأن.

دوافع متعددة

لا يعني قرار رفع العقوبات حلول “الثقة الكاملة” بين الخرطوم وواشنطن، وإنما الأمر أشبه باختبار إيجابي حذر لسلوكيات نظام البشير، مفاده أن المزيد من التطبيع مع الولايات المتحدة يستلزم تقدما أكبر في السلوك السوداني، لكن يظل السؤال الآخر مطروحا، لماذا أقدمت واشنطن على رفع العقوبات الاقتصادية عن الخرطوم؟

تتعدد الدوافع الأميركية لرفع العقوبات الاقتصادية الأخيرة، لكنها تصب في اتجاه إعادة تأهيل نظام البشير، ودفعه تدريجيا إلى مرتبة “الحليف الآمن”، بما يخدم مصالح أميركية مباشرة في المنطقة، لأن السودان يمثل مرتكزا رئيسيا يمكن الرهان عليه في الأدوار الأمنية والاستثمارية والنفطية الأميركية في شرق أفريقيا، في ظل تنافس دولي محموم على المنطقة من قبل روسيا والصين، كما أنه يعد فاعلا أساسيا متصلا بأزمات الداخل سواء جنوب السودان أو أوغندا.

ويملك نظام البشير أوراقا مهمة على صعيد ملف مكافحة الإرهاب الذي يشكل أولوية لإدارة ترامب، بحكم تشابكات الخرطوم مع أزمات تلعب التنظيمات الإرهابية دورا في تغذيتها، مثل أزمات ليبيا ومنطقتي الساحل والصحراء، والقرن الأفريقي.

تفسر تلك المصالح طبيعة تحركات القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” تجاه السودان خلال العام الجاري. وأسهمت تلك التحركات في تمهيد الطريق للرفع الأخير للعقوبات، فمثلا التقى نائب القائد العام لأفريكوم ألكسندر لاسكاري رئيس هيئة الأركان المشتركة السودانية الفريق عماد الدين عدوى في الخرطوم أغسطس الماضي لتوطيد التعاون الأمني والعسكري بين الجانبين.

وقبل ذلك، شاركت الخرطوم في قمة أفريكوم في شتوتغارت بألمانيا في أبريل الماضي، في مؤشر على الجذب الأميركي للسودان، ضمن استراتيجيته الأمنية في قارة أفريقيا.

مخرج لأزمة النظام
ولقيت تلك التحركات الأميركية تجاه السودان مساندة تيارين أساسيين في الولايات المتحدة، التيار الأول تمثله الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي عززت التعاون الأمني مع الخرطوم، كما برز مع زيارة محمد عطا رئيس المخابرات السودانية لواشنطن في مارس الماضي، بدعوة رسمية من مدير المخابرات الأميركية ( السي أي ايه)، بخلاف إفادات مسؤولين أمنيين أميركيين آخرين مثل دانيال كوتس مدير المخابرات الوطنية الأميركية أمام الكونغرس في مايو الماضي، والتي أكدت وفاء السودان بتعهداته في مكافحة الإرهاب.

أما التيار الثاني فيدعمه وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون الذي يمتلك علاقات وطيدة مع الملف السوداني، بحكم عمله السابق في شركة أكسون موبيل للنفط التي تعرضت بدورها لاتهامات بعقد صفقات مع الخرطوم بين عامي 2003 و2006، رغم العقوبات الأميركية على هذا البلد.

قابلية للانفتاح

شكلت قابلية النظام السوداني للانفتاح على المصالح الأميركية مبررا أكبر لرفع العقوبات الاقتصادية، فلم يمنع إرجاء ترامب لذلك القرار من يوليو إلى أكتوبر الجاري أن يمضي نظام البشير قدما في إثبات المزيد من جاهزيته لاستعادة العلاقات مع واشنطن.

بالتوازي مع ذلك سعى السودان لطرح نفسه كقاعدة إقليمية أفريقية لمكافحة الإرهاب، عندما استضاف أواخر سبتمبر الماضي مؤتمرا لأجهزة الأمن والاستخبارات الأفريقية، شارك فيه مسؤولو المخابرات الأميركية، وبعث من خلاله الرئيس البشير رسائل لواشنطن تفيد بأنه يواصل وقف إطلاق النار في مناطق النزاع السوداني، ويدعم دور “الإيجاد” في تحقيق السلام بجنوب السودان.

وعززت الخرطوم تلك الخطابات بتحركات فعلية، عندما أحيت التعاون الاقتصادي مع جنوب السودان، واتفق البلدان في الشهر الماضي على إعادة تشغيل النفط في جنوب السودان، ما دفع مسؤولي جوبا بدورهم إلى مساندة رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية، وتحرك وزير الخارجية السوداني مع نظيره الإثيوبي باتجاه جنوب أفريقيا للقاء رياك مشار زعيم التمرد في جنوب السودان من أجل إعادة تنشيط محادثات السلام، وفقا لخطة الإيجاد.

ولسد الباب أمام أي ذرائع أميركية قد تعرقل رفع العقوبات الاقتصادية، أعلن السودان خلال الشهر الماضي الالتزام بقرارات مجلس الأمن التي تفرض إجراءات احترازية ضد كوريا الشمالية، إضافة إلى مساعي نظام البشير لإصلاح وتنشيط علاقاته الخليجية خاصة مع السعودية والإمارات، بعد التوتر الذي نشب معهما إثر موقف الخرطوم المناور إزاء أزمة مقاطعة قطر.

وتدرك الخرطوم مدى ثقل تأثير الدولتين الخليجيتين في تهيئة الأجواء لعلاقة جيدة مع الولايات المتحدة، وهو أمر ألمحت إليه صحف غربية، عندما أشارت تحديدا إلى دور إماراتي في القرار الأميركي الأخير برفع اسم السودان من الدول المحظور دخول رعاياها للولايات المتحدة.

يمثل قرار رفع العقوبات عن السودان خطوة لإعادة تأهيل نظام البشير، ونقله إلى فضاء تحالفي يخدم مصالح واشنطن في شرق أفريقيا، وعدم إغلاق الباب أمامه كي لا يتم دفع الخرطوم إلى خيارات متنافسة مع قوى أخرى.

مع ذلك، يكتنف الخطوة حذر أميركي يفضل الخيارات التدريجية، ويربطها بمراقبة دقيقة للسلوك السوداني، ليس فقط لضمان ألا يعود نظام البشير إلى المربع الأول، لكن لاستيعاب الضغوط الحقوقية الدولية على إدارة ترامب، والتحسب لاحتمال تولد متطلبات جديدة من السودان قد تفرضها السياقات الإقليمية والدولية أو الداخلية، لا سيما إذا علمنا أنه من المفترض انتهاء فترة رئاسة البشير في العام 2020.

باحث في الشؤون الأفريقية*

 

  • نشر بالعرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*