الرئيسية / فنون وثقافة / ثقافي “رَواكِيبْ الخَرِيفْ مَجْمُوْعَةٌ قَصَصِيَّة

ثقافي “رَواكِيبْ الخَرِيفْ مَجْمُوْعَةٌ قَصَصِيَّة

Sudan voices

عادل محمد سيد احمد 

يا لِقوقعتِها

لفتَ نظرَها، بِ: (تهذيبه الجم)، و (صوته الرجُولي الخفيض!)… فتنازلت عن كبريائها و تعاليها: و واعدته…ارتدى قلبه، بين: فخذيه، و أنطلق للقائهما (محمُوماً)، و هو يفُور…و لمّا أعيته المداخِل، أطلقَ كلمةً نابيةً، في حضرتها، كبالونةِ اختبار!فذُهلتْ، من تسرَّعِه و صفاقتِه! ثمَّ انكمشت: فصغُرت … و صغُرت، و صغُرت، حتى ولجت: (قوقعتها!) من جديد.لائذةً بها، من أي: (خُذلانٍ جديد!).    

هَانِي الأَصَمْ

كانت الاستعدادات تجري على قدمٍ وساق و التجهيز ماضٍ لرحلة علاج (هاني): من الصمم،و الذي ألمَّ به و هو طفل في السابعة من عمره… و في سبيل التحضير للسفر، قررت الأسرة، بلا تردد: بيع المنزل، آخر الأصُول المتبقية لديها، و الذي كانت الأسرة تستظل به من الحر و الهجير صيفاً، و تلتحف به من زمهرير الشتاء ، لتغطية نفقات علاج (هاني)، ودفع مصروفات المرافقين…و لكن حدث ما لم يكُن متوقعاً، و لم يخطُر ببالِ أحد! و كان ذلك حين تعرَّضت صحة هاني للخطر الجسيم، و انتاب الأسرة، و الجيران، و الأهل، و الأقارب: قلقٌ بالغٌ على صحّة (هاني)، فقد كان الحادث مُركَّباً … و أدى إلى دخول (هاني) في غيبوبة لأكثر من (36) ساعة، لم يتوقع له أحد، أن: يستفيق منها…و حاول بعضُ الناس العائدين، الذين فاض بهم المنزل، حاولوا الذهاب للمستشفى، حيثُ يرقد (هاني) فاقداً للوعي… و لكن كانت إرادة و رغبة الأسرة ، ضد الازدحام في العنبر  و الردهات المُحيطة به، نزولاً عند أوامر الطبيب و انصياعاً للوائح المشفى المضيف!  و كان السُّؤال، الذي ما انفك يتكرَّر على والد و والدة (هاني) و إخوته، هو:- هو (هاني) الحصل ليهو شنو؟…و يجيب أفراد الأسرة من بين دموعٍ هميلة، و مشاعرٍ ذاهلة:- صُعق بالكهرباء، من مُفتاح مصباح بئر السلم، فسقط و تدحرج فوق عتبات السلم، حتّى : فقد الوعي!- ربنا يكتب سلامتو، دة حادث مُركّب، نسأل الله، له الشفاء!و تضيف الأم، كأنها تلوم نفسها:- و الله ندهتلو، بي طول حسِّي، لكن هو ما سمعني!فيطمئنها ربُّ البيت، الذي هو ذاته في حاجة إلى من يطمئنه:- قدر! قدَّر الله، و ما شاءَ فعل…و طال أمد الغيبوبة التي يرزح تحت وطأتها (هاني)، حتى تملَّك الأسرة خوف حقيقي على حياته: ذاتها…و اكتظَّ المنزل بالزوّار المشفقين على (هاني)، و الذين أتوا لمواساة الأسرة في مصابها، و كان من بينهم رفاق هاني في المدرسة، و كانت الأم تتقطع: وجداً و حزناً، كلُّما وقع بصرها على أحدهم، فقد كانوا، كلهم، بما فيهم (هاني)، يتشابهون.و فجاءة، و بدون مقدمات ملحُوظة، فَتَحَ هاني عيناه الواسعتين، و استفاق، و قال بصوتٍ واهنٍ:- أُريدُ ماءً!و همّت والدته، المأخوذة، أن تخاطبه، كالعادة، بلغةِ الإشارة،  و لكن (هاني) فاجأها بقوله:- تحدثي يا أُمي، فأنا أسمعك، الآن، جيداً!و مع أني كنتُ ضمن الحاضرين، و رأيت: بأم عيني بهجة الأسرة و فرحها، إلا أنك، تجدني: عاجزاً عن وصف الاحتفال!

عيد زواجنا

حرصنا أنا وزوجتي، طيلة الأعوام السابقة، على الاحتفاء وبطريقةٍ فخمةٍ جداً بعيد زواجنا… وعندما كبر أطفالُنا قليلاً، كنَّا نذهب بهم إلى البيت الكبير، ونتركهم هناك، ثم ننفرد أنا وزوجتي ببعضنا البعض… ونختار شكلاً للاحتفال خارج المنزل، وخارج المألوف: معاً!وصادف هذا العيد أن خلا بيتنا من الفئران، وامتلأت جيوبي (بأبي النوم) … ومع ذلك لم يكُن من الممكن كسر وتيرة التقليد الاحتفالي… وهكذا، فكرت، ولأول مرّة في حياتي العملية، تقديم طلب سلفية طارئة، واحتاج الأمر مني، مع المدير، إلى شرح لامس الاستجداء، وبعد موافقته، ذهبت للمحاسب عندنا،وقال المحاسب، وهو يلهو بعد النقود وتربيطها:- الأسبوع الجاي، هسة ما في كاش! وطلبك دة ذاتو خليهو معاك…وتلذذ المحاسب، فعلاً، وهو يستمع إلى مرافعتي عن ضرورة أن يصرف لي المبلغ الآن، وبرقت عيناهُ و انفرجت أساريره، و هو يراني في: هذا الموقف الذليل أمامهُ!… وبعد اختلاق قصّة طويله، رأف المحاسب بحالي،وأعطاني مبلغ الخمسمائة جنيه، قاذفاً بالطلب في درج ممتلئ بالأوراق، وما أن عدتُ لمكتبي، حتى وجدت صديقي وزميلي (أمير) في حالةٍ من الكَرَب … والتَّوتُر، فأشفقت لحاله، وعلى التعترني، سألته: (عما به؟)، فأجاب و قد وجد ضالته:- ذهبت إلى المدير، وبكيتُ له، لأني في حاجة  لخمسمائة جنيه، فرفض البتّة، و حذا حذوه (صديقنا المُحاسب)، عندما طلبت منهُ المبلغ وديّاً، لآخر الشهر… و أنا يا عُمر بحاجة لهذا المبلغ، بل: و في عرضه، و لا يمكن أن أعود بدونه، بتاتاً!و ما هي إلا (لحظات!)، حتّى استقرّت الخمسمائة جنيه التي كانت بحوزتي و تملأ جيبي… استقرّت في محفظة صديقي العزيز: أمير، و لعنت، في سرِّي، الزمن الساقنا إيديّة… و في البيت سألت (نادية) أمَّ الأولاد، عمّا إذا كان مبلغ الخمسمائة جنيه، الموعود، بحوزتي، و انفعلت و استشاطت غضباً حينما علمت بأنني عدتُ بخفي حنين… و لم أكن قد أطلعتها على الدراما التي دارت بالمكتب…. و اتهمتني بإهمال المناسبة… كما ذكرتني بأن الخمسمائة جنيه مبلغ زهيد لا يعتد به، ثم و بحركة دراميّة… لا تتناسب و غضبها الجميل، قالت لي:- أنا جهّزت الخمسمائة جنيه، يا فالح!و هكذا، انطلقنا، بعد ترك الأولاد في البيت الكبير، انطلقنا إلى المطعم الراقي الذي اختارته (نادية) لهذا العيد….و كانت الخمسمائة جنيه تكفي بالكاد لشراء عشاء فرايحي في ذلك المكان المبهرج.    و ما أن استقرينا في طاولتنا، حتى همست بي زوجتي (نادية):- يا عُمر، شوف هناك! في الطاولة الفي الزاوية… ده ما زميلك في العمل؟و ألتفتُ، فإذا بي أرى (أميراً) و معهُ حسناء، يبدو أنها خطيبته… أو مشروع خطيبة، لأن أميراً لم يكُن قد دخل القفص الذهبي: بعد!  

السِّر المُحتال

صاح (العم سيِّد) بولده، الذي جاء يجري ليستمع لحديث أبيه، و يتلقى أوامره، و وقف أمام أبيه و الضيف المُهندَّم، منتظراً الإشارة:- يا ود! كلِّم أمَّك تعمل عصير … و جيب معاهو موية، و خليها تخت الشاي، و القهوة، في: النار!و أعجب هذا الترحاب السخي، غير المتوقَّع: (الضيف!)، ذو العمامة الكبيرة، و الجُوخ الفخم، و المركوب جلد النمر، و استرخت أعصابه، بعد أن كان متوتراً: لأقصى الحدود، و قال مخاطباً (العم سيِّد):  – أنا والله ما ندمان على شيء في الدنيا دي قدر خيانتي ليك، و  غدري بك، و سرقة أموالك…و انتهاز مرضك لتوظيف الشراكة بيننا في نهبك… و ظل بين الفينة و الأخرى، يفرك يديه بقلق زائد، مبتسماً كشبح، و هو يقول بنفسٍ متقطعٍ … لاهثْ، دون أن ينتظر أو يهتم بالإجابة على السؤال:- كيف حالكم؟و تأمّل العم (سيد) الضيف، و وجد أنه، في قرارة نفسه، لا يحمل عليه ضغينة، و لا يشعر بمرارة، من: النهب الذي تمّ لأمواله، أو الجزء الذي كان بحوزة (السر)، عندما كان العم (سيِّد)، يُعاني من كسرٍ مركبٍ في الساق، أعجزه عن إدارة أعمالهما المشتركة كواجبٍ منوطٍ به، مما اتاح ل (السر) الإنفراد بالعمل أولاً، و من ثم نهبه، منذ ما يزيد عن الأربعة عشر عاماً…و قال بنبرة متسامحة نقيّة:- عفيتك لله و الرسول، و لا تحمل هم لذلك الذي حدث، و حدثني عن حالك و أحوالك الآن؟- أنا بخير، اغتربت منذ أن كنت أنت تتلقى العلاج بالمستشفى، و ربنا فتح علي فتزوجت، و أنجبت ولدين، هما الآن في عمر: اتناشر و عشرة سنوات… و نجحت في الغربة، فأسست شركات تعمل في مجال الاستيراد و التصدير… و قد كان همي أن أعتذر لك، و كنتُ أنتظر اليوم الذي أستطيع أن أقابلك و أعوضك عن خسائرك و أرد لك بعضاً من جمائلك…- الموضوع إتنسى، و الحصل: حصل و بات في خبر كانَ!- لا! الموضوع أنا ما نسيتو، و هسة أنا جايب ليك معاي العربية البرادو الواقفة برّة دي… (قاذفاً مفاتيح البرادو فوق التربيزة)… و بكرة الصباح نتلاقى، عشان نشترى أثاثات و أجهزة منزليّة لأم العيال، و أنا حالف ما بقابلاها قُبّال ما العفش البنشتريهو ليها يدخُل البيت! و مع إنه لم يكُن يُعرف عن (العم سيِّد) ، لا الطمع… و لا السذاجة، إلا أن حديث الضيف كان يبدو منطقيّا و متسقاً مع هيئته، و مع نبرته التي تحاكي نبرات أصوات الأطفال، بحيثُ: صدَّقه العم سيد، و عزم على الترحيب به أكثر…رداً للمُبادرة بأحسن منها، و مبادلة للاعتذار الجميل، بقبولٍ: أجمل! و شــــرب الضيف، الماء و العصير، و الشـــاي، و رشف فناجين قهوته حتى آخر قطرة، و أنصرف، على أمل أن يلتقيا، هو و العم ســــيد، في الصباح لتنفيذ و استكمال إجــــراءات  الاعتذار الماليّة ، كما وعد بها السر المحتال… و ترك السر العربة البرادو أمام منزل العم سيد، و أصر أن يستغل تاكسيّاً، و هو يعود أدراجه من مشوار التعافي و التصافي و ردِّ الأموال للعم سيد، و ينطلق إلى: (حيثُ أتى!). و بعد انصراف (المُحتال)، اطلع العم سيد زوجته على ما دار، و حكا لها تفاصيل ما قاله السر … و بثَّها شكوكه في النيّة الحقيقية و المرامي النهائية (للسر)، فأيدته بشكوك أكثر إسهاباً وغزارة،  و  هكذا، وجدا نفسيهما  متفقان و رأيهما متطابق، في: ظاهرة نادرة، ككسوف الشمس، لم يتيسر لها، أن: تحدث في الماضي القريب!…و لكنهما اتفقا أيضاً على مجاراة السر، بحرص و حذر، ليروا الآخر، و قالت زوجة (العم سيد)، و هي تفتعل نبرة الحيرة:- بقولوا، الكضّاب لي خشم بابو! و في الصباح، حلق (العم سيِّد) ذقنه و تعطّر، و تهندم فوق العادة، و أنطلق بسيارته المرسيدس، دون أن يأبه لوجود البرادو، فقد كان العم، حريصاً و طويل البال،بطبعه… و يتصرف بتؤدة و تأني ساعدته في مسيرته الحياتيّة كلها…. و هناك في المكتب، و بعد أن ارتشف قهوة الصباح، بدأ(العم سيِّد) يشعل لُفافات الانتظار… و هو يتملَّى كلام السر بالأمس، و يسترجع الظلومة التي حاقت به، في أحلك الظروف، من جانب السر المُحتال… قبل أكثر من أربعة عشر عاماً أو يزيد!و بدأ له أن الزمن يسير بطيئاً، فهاهي الساعةُ تقول أنها التاسعة، و أنّه قد مرّت عليه ساعة و نصف الساعة و هو في تلك الحالة من الانتظار  و التأمُّل!  و لكن عند الساعة التاسعة و عشرة دقائق، توقف التاكسي بالخارج، لينزل منه (السر)، ببدلة، و كرفتة في غاية الأناقة… و حذاءٍ لامعٍ كلمعة: حذاء سفير…و همهم لسائق التاكسي ببضع كلمات، دلف بعدها إلى الداخل، حيثُ (العم سيِّد) ينتظره، خلف المكتب الوثير…  واصل المُحتال، بعد سلامٍ مقتضب، اعتذارات و وعود الأمس… و قال أن ظروفاً جديدة ، في العمل، قد طرأت عليه، مما سيضطرّه للسفر لمدة وجيزة أعجل مما كان مخططا له…و بطريقة شبه المتوقعة من العم سيد، طلب السر مفاتيح السيّارة المرسيدس، ليقضي بها حوائجه العاجلة و لضيق الزمن، على وعد أن يردها مندوبٌ منه آخر النهار… و ما هي إلا أربعة أو خمسة أيّام يعود بعدها و يشتري الأجهزة و الأثاثات للحاجة و يشرع ، فور عودته في نقل ملكيّة العربة البرادو… لأسم العم سيد… و فكر العم سيد، و قد سيطرت عليه طيبته، بأن لا ضرر هناك من إعطاء السر مفاتيح السيّارة لمدة يوم … و لكن، أعيته الطريقة التي يضمن بها عودة السيارة، فشكوكه كانت أكبر من البرادو التي تقبع الآن، بلا وجيع، أمام بيته… ثم فجأة انتبه للبرادو، فقال للسر ناصحاً:- إنت ما تركب البرادو، لحدي ما تقضي أغراضك!- علي بالطلاق، و أنا صادق، البرادو دي ما في زول يركبها غيرك… فتحولت الظنون و الشكوك بالكذب إلى اتهام صريح، بان في نبرة العم سيد، و هو يرد على طلاق المحتال:- دة استعجال غريب، أنا ما شايف ليهو داعي!ثم واصل رده، الذي يحمل في طياته عدم الثقة و  التهكم:- أنا ما بقدر أديك عربيتي، و الوكت البركب فيهو البرادو، ذاااتو: لسَّة ما جا!و يبدو أن المحتال، الذي كان يمتلك نظرة ثاقبة، إن لم نقل: (حاسة شم قويّة)، كان قد قنع من خيراً في العم سيد، و أحس بضيق فرصته في أن (يلدغهُ) مرّة أخرى، و قال و هو يهم بالانصراف: – طيب، أديني مائة جنيه أركب بيها تاكسي، و أردها ليك بعد ما أجي أو أكتب ليك بيها شيك…و أتبع كلامه بإخراج دفتر شيكات أنيق، و قلم مُذهّب.و ضحك العم سيد: كما لم يضحك من قبل، و هو يخرج ورقة فئة ال (100) جنيه، كرامة و سلامة، و يعطيها للمحتال … الذي، ما أن أستلم المال حتى انطلق خارجاً بسرعة البرق…و تبقت مسألة مُحيرة، لماذا، ترك السر: البرادو أمام منزل العم سيد؟و راودته نفسه، و لكن ليس لدرجة اتخاذ القرار، بأن يذهب إلى البوليس بشأن البرادو … ولكن: ضبط مشاعره الحانقة، و  تمالك نفسه… و هو يناجي روحه، و به شيء من حتّى:- ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً        ويأتيك بالأخبار من لم تزود!و مع إن انتظاره لم يطُلْ، إلا إن العم سيد أحس بأن دهراً قد مر منذ توقف (البرادو) أمام البيت و إلى أن أتي من يحمل في دفاتره الخبر اليقين. كان البلاغ بوجود البرادو أمام منزل العم سيد، لِحظِّهِ الطيب، قد وصل: شركة تأجير السيارات المعروفة، أوّلاً… و أتي مندوب الشركة، و هو يتأبطُ شراً، للتأكد من وجودها، كخطوة سوف تليها في الغالب إجراءات فتح بلاغ جنائي… و استقبله العم سيد، الذي تحول إلى شاهد جنائي فيما بعد، و شرح له ما بالبرادو و ما عليها… و قصة السر ألحرامي من بدايتها إلى نهايتها… و لما لم يكن هناك ما يدعو مندوب الشركة لتكذيب العم سيد أو تخوينه، فقد طلب منه بأدب أن يرافقه إلى المخفر لحل الإشكال وفق القانون، و قد كان. الطريف أنه بعد انجلاء أزمة البرادو و إرجاعها إلى شركة التأجير … و استصدار أمر، لأي رجل شرطة، بالقبض على السر، لارتداد شيك الضمان … الطريف إن صاحب التاكسي جاء وهو يحمل شيكاً آخر، بمبلغ غير زهيد، قائلاً للعم سيد في مكتبه:- السر قال لي: ( أديك الشيك ده، و استلم قيمتو منك كاش!)… بعد ما و ديتو مشاوير أسبوع … كان ختامها مشوار للمطار، و هو يغريك السلام…- شَطَّة و عَمْ طَهْ
مات الحصان، صعقهُ تيار كهربائي، من الأميّة المربوطة أمام دكان عثمان، تلك الأميّة التي غمرتها مياه الأمطار، كما هو معتاد في كل خريف… و من فوره خرَّ صريعاً، بضعفٍ لا يتناسب مع فتوته البادية للعيان، وشعره اللامع البهيج، و وقع حوافره الصلف.. و لم يكن (شطَّة) حصان سباق… كان حصان كارو عادي… وضعته الصدفة بين يدي العم طه العتالي (الحمّال)… و كان قد أكمل الفترة المقررة للتسمين بغرض البيع… و كان هذا ديدن العم طه، أن: يعلف و يرعي أحصنته، فوق ما تستحق، كحصين للكارو… و ذلك بغرض بيعها كل فترة و الثانية، و استبدالها بحصانٍ هزيلٍ، نحيل الجسم ضئيل السعر، حتى يستفيد من فرق السعر في تغطية الديون، و الالتزامات، التي تراكمت عليه، في الفترة: ما بين الأحصنة…و يعيد تسمينه بغرض البيع، أثناء عمل الحصان الذي جاء هزيلاً في جر الكارو… فيسمن، فيباع: كالحصان الذي سبقه!   و بشكلٍ عام، كان هذا كل ما يتقنه العم طه من أعمال، منذ أن فرَّ من قريته في الشمال، و استقر، مكافحاً، في العاصمة المثلثة… و لكن، ها قد مات الحصان: (شطَّة)، و هو لا يملك حصاناً بديلاً، كما أنه لم يكن مستعداً لهكذا خطب، و لم تخطر بباله تلك الإبتلاءة! فما العمل؟؟؟ كان العمل، وفق المنطق و طبيعة الأشياء البحث عن حصان بديل ل ِ(شطَّة)… و لكن من أين، و لمن يمكن اللجوء… و السؤال، حسب يقين العم طه، لغير الله، مذَّلة!لجأ باديء الأمر، إلى نفسه، فأحصى ما يملك، فلم يجد شيئاّ مذكوراً… لأنه لم يرعى مالاً مدخوراً لعوادي الدهر، و موت الحصين! ثمَّ تحدث إلى عائشة، أم العيال، التي كانت تفوق فجيعتها في نفُوق (شطة)، فجيعته…فقد كانت لها آمال عراض، و خطط للاستفادة من فرق سعر بيع (شطة)… و كان أكبر تلك الآمال تزويج إحسان حسب الموعد المضروب للنسابة الجُدُد… و ها قد أهارت كهرباء الأمية بالتضامن مع مياه الأمطار… أهارت أحلامها في التمتع بأيّام سلسة، يتم فيها الزواج و لا يعكر صفوها غياب حصان زوجها الذي سيقود الى عطالته و شلهتته بحثا عن البديل.و لكنها لم تبتئس فيما يتعلق بالزواج بوصفه عمل خير: – و عمل الخير ربنا بتمو!   و لكنها عجزت عن الإجابة عن السؤال:- من أين لنا بحصان كارّو، جديد؟و كانت حيلتها و ردها العملي، يتلخصان في قطعة ذهبيّة متناهية الصغر، و ثلاثة عنزات… أقبلت على زوجها و هي تضع أمامه، الآن، كل ما تملك، بحق و حقيقة… يشهد الله على ذلك! و لكنه قبل عنزتين، و رفض عنزة و القطعة الذهبيّة، أمّا العنزة الثالثة فرفض بيعها، لأنهم كانوا بحاجة إلى رطلي اللبن، اللائي تدرهما في الصباح و العشية، لشاي الكبار و لغذاء الصغار… أما القطعة الذهبيّة فقد رفض بيعها لأنها كانت، رغماً عن كل شيء، تبث بوجودها: الطمأنينة في قلب عائشة… و قال لها:- الدهيباية نخليها للشديد القوي!و الحقيقة، إنَّ الظرف الذي كانوا فيه كان هو الشديد القوى ذات نفسه، و تحول ريع الغنيمات و مدخرات العم طه لتزويج إحسان… و بعد مرور المناسبة بسلام، صار عمنا: أباطو و النجم، بالمعني الحرفي للمثل الشعبي… و تقلصت آماله في مساعدات من أقارب أو زملاء مهنة، لأن تلك المساعدات: استنفدها زواج إحسان…و هكذا تقلّصت خطة العم طه، من الحصول على حصان لجر الكارو، إلى حمار يجر برميل ماء… و كان من الممكن الحصول على الصهريج مقابل عربة الكارو التي باتت تفتقد إلى الحُصان،و لكن تبقت مشكلة إيجاد الحمار… على طريقة: رضينا بالهم و الهم ما راضي بينا.و هكذا، تقهقر العم طه، إلى ما كان عليه، قبل ستةَ عشر عاماً، و صار يعمل في العتالة و التحميل بأيديه المجرّدة… و يحسد أصحاب الكارو عل نعمائهم بامتلاك حصين، و يمنى نفسه بالحصول على المثل كلما مرّ من أمامه (حمار) يجر خلفه شحنة ماء!     

الأرملة

كان ضغطُ الحياة يشتدُّ عليها، يوماً وراء يوم، و هي تواجه الحياةَ و أسئلتها الإجباريّة… و كانت رغم مهارتها في إدارة المنزل بأزماته، و مؤهلاتها الشخصيّة العالية و منهجها العملي في الحياة و روحها المثابرة، كانت، رغم كل ذلك، تشعر و في أحيانٍ كثيرة، ليس بالعجز المجرّد وحده، أنما بخوار قواها… و تبدُّد طاقتها، و بمشاعر هي خليط من الغضب و الحيرة… و كانت في تلك الأحايين تشعر بأن الأغنية التي تقول: (واقف براك و الهم عصف) قد عنتها هي بالذات، و أنها فُصِّلتْ عليها تفصيلا! و في أحوال كهذي فأنها كانت تختلي بنفسها و تبكي حتى يغسل البكاء دواخلها بالثلج و البرد… و لكنها لم تكن لتسمح أن يطلع، كائن من كان على هذا السر الكبير. أو تلجأ لصديقة طفولتها أماني … و كانت تجد عند أماني راحة و استراحة، و لكنها لا تذكر أنها خرجت منها يوماً واحداً، برأي أو حلٍ لمشكلة: قابل للتنفيذ… كانت (أماني) لا تملك سوى حنيتها و عاطفتها الدفاقة … التي لم تكن تبخل بها على  صديقة عمرها… و لكن كانت صفية الأرملة، مُعبأة بهذا كله، تُواصل الصُمود، و تنحت عقلها بلا رحمة: لإيجاد مخرج من هذه الورطة أو تلك… و كانت بينها و بين نفسها … ترى ارتباطاً مباشراً بين حنيّة أماني… و ثراء الأفكار التي: تتوصل إليها، هي، أو تطرأ عليها … بعد جلسات أنسهما الطويلة! و كان خيار الزواج، بالنسبة لها، مرفوضاً، بطريقة: غير قابلة لمجرّد التفكير… و لم تكن تسمح، لكائنٍ من كان، و لا حتى (أماني)، أن يناقشها في ذلك، مهما كانت دوافعه و صفته… ليس حبّا في العزوبيّة، أو الحياة الحرّة التي لا تكبلها قيود… أو تحدها حدود… و إنما كانت تُشفق على بنتيها و ولدها، من: وطأة (زوج الأم) و لسعاته السامّة… لا سيما و أنها جربت العيش في كنف زوجة الأب، بعدما ماتت أمّها الحاجة (فضيلة) قبل زواجها من المرحوم بسنوات عديدة، و ذاقت الأمرِّين من ضيمها و تعسفها…و عانت ما عانت…من صمت أبيها و عجزه في لجم زوجته و  إبطال كيدها…فواصلت هكذا، من ألمٍ إلى آخر و من معاناة بعد معاناة، و تفرغت طوعاً لتهب كل ما تملك لأبنائها: عقلها الراجح ونضارة شبابها و اخضراره، و نست نفسها، و هي الفاتنة الذكية المحبوبة، في خضم الواجب، الذي صار هو الدافع الوحيد الذي يُحركها، و يبعث فيها السرور في حالِ أَوفته، أو الغُبن و الحسرة: إذا ما قصّرت فيه!…و هكذا، كانت الحياة تقسُو عليها، بالتدريج أحياناً… و أحيانا بكرب، مفاجئة، تفُوق الاحتمال!كانت المحافظة على بنتيها و ولدها من حيثُ المعاش، أهون قليلاً، عليها، من ضمان سلامة بنيتهم النفسية و أمانهم الاجتماعي، و هي مهمة، من وجهة نظرها كانت تحتاج إلى (حاوي) إن كان بشراً… أو جنس ملاك، أن كان ذلك: بالإمكان!… و لا تزال تذكر الأسئلة البضة لأطفالها الثلاثة في الأيّام الأولى لرحيل زوجها:- إنتي يا ماما، بابا مشى وين؟- الجنة!- ح نلاقيهو تاني، و لّا الجنّة دي بعيدة!!؟- ح نلاقيه، كلنا، إن شاء الله…الحمد لله، يعني بخلُّونا ندخُل!و كانت صفيّة تقابل تلك الحوارات و غيرها، في أغلب الأحيان بضحكات مشجعة شجيّة، لكن كانت تفضحها: الدُمُوع… و لكنها كانت تستجير بالإيمان، و تصدق إجاباتها على الأولاد… بل و كانت تهبُّ، كالملسُوع، لتؤدي صلوات و نوافل تهبها لروح المرحوم …طمعا في ملاقاته في الجنّة بإذن الله. و الحقيقة، أنها كانت مُقتنعة، أن نوافلها لن تضيف للمرحوم شيئاً يُذكر، أو تزيد من فرص دخوله الجنة، لأن أعماله و صفاته، من: بساطة، و تعاطف مع الآخرين… و معشره الودود، كانت كفيلة بفتح الأبواب الموصدة أمامه في الدُّنيا… ناهيك عن جنّةٍ عرضُها السماواتِ و الأرض، يأذن بدخولها رحمنٌ رحيم… بل و إنها لتذكر، جيداً، أنَّ: أريحيته، و كرمه، و مساعداته للآخرين كانت سبباً، في مرات عديدة، لخلافاتهما التي دائما ما تستمر، لأيّام، دفاعاً من جانبها عن (مستقبل الأولاد) و منعاً لإهدار ما يملكُون من قليل الزاد: و بذله للغاشي و الماشي! و لكن، كل هذا قد صار في عداد الذكريات، و حينما تنداح تلك الذكريات، فإن (صفيّة) كانت تعاني من اختلاط المشاعر: مرة تضحك، و مرّة تبكي … و مرّة تشغل نفسها بأي موضوع بعيد عن عالم المرحوم و تفاصيله التي فنت… أي شيء، و لو كان، الانشغال: بتصفح جريدة من العام المنصرم…في شبابه، كما هو الحال لدي الناس عموم، كان المرحوم قد عاقر الصهباء و عاشر النساء، كان يفعل، كل ذلك، بهدوء يحترم فيه خصوصيات الآخرين … و صال و جال في دنيا العربدة و الجنون … قبل أن يتعرّف على (صفيّة) التي ملأت عليه حياته… فأمكنه التخلُّص رويداً رويداً من تلك العادات الضارة و التصرفات التي لا تليق برب أسرة، حسب صفية، و هكذا أقترب من حالة التدين الوسطي … يؤدي فروضه، في البيت،ما عدا الجمعة فقد كان يحرص على أداءها، بشكلٍ دائم، في الجامع القريب… و لم يمنعه، لا زواجه من صفيّة و لا صلاته في الجامع، من أن يمارس، خفية، بعضاً من أفاعيل الشباب. و لمّا كانت تضبطه متلبِّساً بإحدي جرائم الخروج عن شخصيّة (رب البيت)، كان يجيبها مبتسماً:- قاتل الله الرتابة، قُلنا نغير …ونكتُلْ الملل شوية!و عندما مات المرحوم، انسدل ستار سميك على سيئاته، بما فيها سوء معاملته الموسمي، لصفيّة، و أكتفي الناس بذكر حسناته، أمّا هي فقد عملت على طباعة تلك الحسنات، بل و حفرها بالأظافر  و الأزميل، على جُدُر  وجدان بنتيها و ولدها، الذين صاروا يتامى الأب، منذ سنوات … و يعتبرونها أباً و أمّاً في آنٍ واحد! و قد كانت هي، و لحدٍ بعيد، قدر المقام و تزيد…و لكن ذلك لم يمنعها من أن تصادق (عُلا)، كُبرى بناتها…وتشركها و تستشيرها، بموجب تلك الصداقة، في كل صغيرة و كبيرة… و تعمل على تدريبها على مواجهة أُمُور الحياة، و عوادِي الدَّهر… كانت، كأنما تعدها لدور مستقل عن زوج المستقبل، أي أن: تحمل من بعدها لواء الترمَّل… و لم يخلو هذا التدريب من مشقة على (عُلا)، و تعذر عليها فهم بعض الأمور أيضاً، فكانت تأخذها على علاتها، و مع أنها كانت تستبين بعضها مع مرور الأيّام و السنين، إلا أن ذلك لم يمنع (عُلا) من إبداء التذمر من حين لآخر… بقدر ما تستطيع دون أن تجرح والدتها، حسب ما كان يجيشُ بدواخلها… و وفق نيتها الصافية، كما البلور! و كانت علا تهتم ب(محمد) أخيها الأصغر اهتماما ذائداً، كان في الحقيقة: امتدادا لاهتمام صفيّة به…و كان ذلك كفيلاً بجعل دنيا (محمد)، تُماثل جنة الله في الأرض، كن يلبين طلباته كأنها مُنزلة … و يهتممن بمظهره و مخبره… قيامه و قعوده، و هكذا رتع محمدٌ في مرتع الدلال الذي كانت تقف خلفه امرأتان: أمُّه صفيّة و أخته عُلا…و كان محمد يتنقل بينهن، مستجيرا بإحداهن متى جارت الأخرى… و لكن، ميله لصفيّة كان أكبر… و كانت هي ترى فيه أملها و فارس خلاصها الموعود، و كانت تعمى أن تري أخطاءه و بعضها ظاهر و أبلج… و لا تنصر أختيه، و ترد مظلمتهن منه، إلا فيما ندر… و كثيراً ما كانت ترُد شكواهن، حتى قبل الاستماع إليها، أحياناً :- يمَّة!- مالِكْ؟- شوفي ولدك دة!- مالو ولدي؟… إنتي تغلطتي عليهو، عشان سغيّر … تضربيهو تبكِي… و تسبقيهو تشكِي!؟في بداية عهدها بالترمُّل، كانت تعلم علم اليقين، أنها باتت لقمة سائغة في يد مجتمع لا يرحم، و أنها صارت هدفاً محتملاً للرجال، من الأقارب و الأصدقاء و الزملاء… و من العابرين، و كانت تظن أن سلوكها، المُتزن، وحده، هو : ما سيحميها من التطفُّل و المضايقات… و لكن أرتها الأيّام أن مظهرها، أيضاً، يُمكن أن يكون مصدراً لإزعاجٍ لا حدَّ له، فتقشفت في علاقاتها… و زهدت في الزينة لحدٍ كبير… و كانت تعمل، ألف حساب لجلستها، و طريقة ضحكتها في المجالس، لا سيما المُختلط منها… و كان ذلك كلَّه على غير طبيعتها المنفتحة و حضورها الولوف، و مع ذلك لم تنجُ من هجوم الطامعين في شبابها البض، و حسنها الذي أجمع عليه الناس… و انتبهت، في تلك الفترة، لأن لهجة البعض قد اختلفت معها، ممن كانت تعرفهم من زمن المرحوم على قيد الحياة، و لكنها رغم ذلك، لم تسمح لأحد منهم بالاقتراب إلى حواف هالات التهذيب و الاحترام، أو كسر طوق حلقاتها الحمراء… و رجعت مرّة أخرى تلبس الثوب الأبيض، و تتجنب ركوب المواصلات الخاصة … و تتردد في قُبُول الهدايا و الدعوات: ألف مرّة!و كانت في حالات الضيق الشديد من كلِّ هذا تجد ملاذاً دافئاً عند أماني و وحدها أماني، لأن عُلا لم تكن قد نضجت بعد، و ليست لها درايّة بمثل هذه الأمُور، رغم أنها كانت تشركها فيها بطريقة مبسطة… على سبيل التدريب و التربية…. و لكن ما يمكن تسميته ب (فشَّ الغبينة)… كان يتم في حضرة أماني، و انتعاشاً بين أحضانها في أوقاتٍ عديدةٍ! و للغبائن في حياة صفيّة، مصادر متجددة و معينٌ لا ينضب، و لكن، كان أكثرها إيلاماً هو: تطاول (محمد) أو إحدى أختيه عليها، لا سيما أن كان تطاول جارح… و لو بحسن نية… كان مثل تلك المواقف التي يستعداها فيها الأبناء، من أسوأ ما يمر عليها من مشاكل، و كانت أمّا تبتلع المرارة التي هي بطعم الحنظل، أو تواجه المتطاول و تردعه، أو تلوذ بحنية (أماني)، و تتوسد صدرها الرحيب… و لم تسمح، صفية، لأسرتها الممتدة أو الكبيرة، المتمثلة في أُمها و أخوانها و أخواتها ، بتاتاً، بالتدخل: لا  في الكبيرة، و لا الصغيرة من  شئون أسرتها الصغيرة، و كيف تُدار؟… و عندما اكتشفت، و بما لا يدع مجالاً للشك، إن لدعمهم المادي و مساعدتهم الماليّة لها، محفزاً لهم على ولوج حياتها و حياة أبنائها الخاصّة، امتنعت، و على الفور، عن تلقي إعاناتهم… و في هكذا حال، كان لا بد من ترك الوظيفة ذات الدخل المحدود، الى رحاب العمل الحر، دون أن يتطلب عملها حركة كثيرة، منعاً للقيل والقال، في مجتمع ترك موبقاته وأهمل أمراضه كلها، وتفرّغ: للنيل من المطلقات و الأرامل، ويصنفهن كالغريبات أو الدخيلات عليه، ويفرض عليهن قيوداً علنية لا حصر لها، بينما يدفعهن سراً للمجون والرذيلة، وقد هداها تفكيرها، ونقاشاتها الطويلة مع بعض ذوي القربى من الضليعين في مجال الاستثمار والأعمال المربحة، أن تفتح روضة للأطفال، وكأنه اتساع المنزل احد العوامل الرئيسة التي دعتها الى قبول وتبني الفكرة بل والشروع الفوري ، بعد العزم ، في تنفيذه… كان افتتاح الروضة فخماً بهيجاً، وأقبلت الأسر من الحي والإحياء المجاورة لتُحضر أطفالها عند (ماما صفية) ، وساعدت عوامل عدة،  أخرى، كلها تعتمد على جوانب مشرقة في شخصية صفية في نجاح الروضة نجاحاً باهراً، عاماً بعد عام… وباتت تتخرج منها دفع وتلج مكانها دفع جديدة من الأطفال… وعُلا و سماح و محمد يكبرون، و ينضجون، و يبدؤون بالتخرج: الواحد تلو الأخر، وماما صفية غارقة في نجاحات الروضة وتميز الأبناء… و يمكن القول أن (صفيّة) أجادت دورها و جوّدت عملها، و كأنها خُلقت لتكون مديرة روضة… و كانت عُلا في مقام اليد اليمنى من كل أعمال الروضة… رغم انشغالها أحياناً بدراستها أو امتحاناتها… فإدارة روضة، كانت تتطلب أعمالاً مسائيّة، أيضاً، كانت تقوم بها، بالاشتراك مع سماح، (عُلا) على الرحب و السعة…. و برغم وجود بنتيها و قدرتهن على تسيير الأيام في الروضة، إلا إن صفيّة نادراً ما كانت تتغيب عن عملها، و دائماً ما يكون غيابها غياباً قسريّاً و لأسبابٍ قاهرة… و بادلتها الروضة، بدورها حبّاً بحُب … و جميلٌ بجمائل… و وجدت نفسها وسط أمهات الأطفال، فكن يقدمن لها كل ما هو مفيد في مجالات عدة، لم تنحصر في شئون التربية و ثقافة الطفل، فقط!… و كانت في الأيّام التي ينعقد فيها (مجلس الأمهات)، تراها دائبة، كالنحلة، في إنجاح تلك الاجتماعات و الاستماع إلى وجهات نظر الحاضرات… و خلقت مع بعض المستنيرات، من بينهن، علاقات و صلات: تفاخر بها و تركن إليها عند الشدائد.   و في هذا الخِضَمْ، لم تنتبه لمسير العمر  و عامل السن، تجتهد ما في وسعها كما في أيّام شبابها الأولى، الى أن فاجأتها عُلا ذات مساء، دون أن تتوقع منها، هي، ذلك، أو تكون مستعدة لما تقول:- يا ماما ، كفاك شغل وكفاح… والحمد لله ما قصرتي، وما يقصرن أيامك، ولكن لحد هنا… فقد أديتي رسالتك كاملة ، غير منقوصة وان لك الأوان أن ترتاحي … و تضعي السيف، و تترجلي عن صهوة الجواد !!! وفي تلك اللحظة، النادرة من العُمر، لم تجد صفية من تبوح له: بما قد جال في دواخلها… لأن ما أرادات البوح به، لن يفهمه سوى المرحوم (أحمد خالد!)… فاختلت بنفسها، و بكت حتى غسل البكاء دواخلها بالثلج و البرد… و لكنها لم تسمح أن يطلع، كائن من كان على هذا السر الكبير. 

  • رواكيب الخريف ( مجموعة قصصية ) تحت الطبع : عادل محمد سيد احمد
  • * مواليد الديوم الشرقية 1966

     *خريج جامعة الخرطوم 1989

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*