الرئيسية / شباب وجندر / تماضر الحسن : أحوال شخصية

تماضر الحسن : أحوال شخصية

Sudan voices

د. نماضر الحسن 
كان كتفي لا يزال ليِّناً من دمع أمي …
رائحتها التي تشبه الدعاش المخلوط بشئٍ يشبه (الرحمة) تزاحم خياشيمي وتمتد كسرب من الحمائم البيض تقصد قلبي المشرع هناك الذي يفتح عليّ قبل روحي الأربع.. فاينما أولي فثمة شئ من كيانها يرقد كما الحنين الذي يسكن عينيها الرائعتين فيمارس قلبي الخشوع

خرجت من بيتنا …
والدنيا يلفها وشاحٌ أسود.. ليل جاس في دروب المدينة العجوز فابتلعها إلا من غباش مصابيح تناثرن هنا وهناك ونجيمات تدثرن بضياء يخفت ويقوي كجذوة النار التي ترقد تحت كبدي كلّما هممت بالرحيل..
قرب بيت أمي يوجد لليل صوت..
خليطٌ من همهمة أشجار.. كلب هناك ينبح على استحياء.. “ورجغة”صراصير..
وأنين قلبي..

يا مسافر وناسي هواك

أرواحنا وقلوبنا معاك

أضناني البعاد والبين

يا روحي الفراق لي متين

قضيت عمري كلو حزين

عايش على ذكراك

عديت أنا نجوم الليل

في خدودي الدموع بتسيل

ويا الفارقت أرض النيل

يرعاك الله يا ملاك

في عيونك سلاح مشهور

لمعان الخدود بلور

ننساك أصلو ما معقول

نسلاك أصلو ما معقول

لو ضاعت حياتي فداك

طارين للهوى وعهدو

حافظين بالشهود وعدو

العاشق يدوم سعدو

لو دام يا حبيبي هواك

انطلقت من راديو الرابعة.. فأطاحت بما تبقى من تماسكي..
طفرت من أحشائي دمعتان..
وما زال كتفي ليِّناً من دمع أمي..
رفعت طرف طرحتي المحظوظة واستنشقت عبيراً أعرفه كما أعرف وجوه صغيراتي الفاتنات.. عبيرها المعتق العبق الذي خبأته في “جخانين” فؤادي من زمنٍ بعيدٍ فسكن ذاكرتي وصنع كياني.. عبيرها الذي استنشق كلما كانت الحبيبة تجثو أمامي لتعقد رباط حذاء.. أو تمرر زراراً في عروة صغيرة قدت في قميص مدرسي.. أو تقطع خيطاً في ثوب لم يحسن حايكه شفيه وبرمه.. فيلفحني عطر أنفاسها كما نسيم الجنان فترف روحي وتغرد ويرقد قلبي ويتطامن ذلك المُتوثِّب فيا… فيتدفّق إحساسٌ جميلٌ في عوالمي الصغيرات حينها بسلاسة… عوالم ساكنيها وجوه أحبتي فانهمل
أو حينما يطرقع شبشبها وهي تخطو في مدخل الدار المعروشة بالمحبة وهي قادمة من مشوار خلته لن ينتهي على قصره… فيعدو قلبي قبل قدمي الصغيرتين ليقالدها ويطايبها ويندس كما الضوء في برعمها فتهبني الرحمة والهدوء والسكينة والأمن ..
عبير بخور بيتها والصباح نسيمه يصافح جلدي الغض فينتعش داخلي المكتنز بالحب… والحبيبة تفرغ كوباً من الحليب بين كوبين آخرين (ليبرد) غير تاركة هذه المهمة للوقت لإنجازها فهي تعلم أنني أحب أن أرقب هذه العملية كل صباح … أرقب رغوة الحليب التي تعلق بجوف الكوب ويتعالى بخاره غيمة من حنين ومحنة.. فيأتيني كالرحيق المختوم… أشربه مخلوط بعشق أمي.

في المطار …
حيث يُكرم المرء أو يُهان ….
أنت وواسطتك… ونفسية من يقضي مُعاملتك ومَزاجه في تِلك الليلة…
تشبّثت بحضن هند أختي الوادعة كالعشيات المعطرات.. قبل أن تختفي بوجهها الحلو في زحمة الليل تلك.. مُخلِّفةً في قلبي حسرةً مُضاعفةً.. وقبل أن التحم أنا وصغيراتي بذلك الخضم من البشر والناس.. ألقيت أنا نظرة أخرى علّها تكنس هذا الظلام والليل وغربة تلوح ببشاعتها في الأُفق.. فأطل وجه أمي كالبدر هناك فمنحني قُوةً وجسارةً وبسالةً …
ومضيت…

وكان لابد لي أن أذهب… وضعت كل ضعفي في كفي وأمسكت بيدي بناتي فكُنت كالمُستجير من رمضاء بظل ورقة شجر يابسة….

وقفت أمامه …
وما زال كتفي ليِّناً من دمع أمي …
يا استاذة. ..
ورفعت له عينين قرحهما السهر وسكنهما الحُزن… ودمعة مُعلّقة هناك كالمنبت لا أرضاً قطعت ولا عيناً تركت
نعم يا سيدي …

ماشة وين…
عجبت من طريقة السؤال ….
قلت ليهو مسافرة …
وين يعني….
مسافرة بريطانيا ….
ومعاك البنات ديل ….
ونظرت للبنات …
طل التي تابعت الحوار.. تدلي فكّها وهي ترى (جلافة) الرجل ولؤمه غير المُبرِّر.. وأظنها لم تفهم سر حدة الرجل ولا طريقة كلامه المُستفز.. فنظرت لي بحيرةٍ لتفهم إنو غلطتنا شنو ..
وطيب التي لم تعبأ به ولا بعصبيته … وشدتني من يدي
….ignore him …Just let us go mum

قو وين يا أختي … قلت ليها براحة… لازم نخلص الموضوع دا ….
لحظتها كان هناك رجل ومعه فتاة وصبي يافعان في سن بناتي قدم جوازاتهم بالجنبة كده وأفسح له الطريق من غير أن يسأل إلى أين العزم…

أها يا استاذة ما قلت لي البنات ديل سايقاهم معاك واللا …
حاولت إلا استفز وقلت ليهو
أيوة سايقاهم معاي.. ديل بناتي.. ممكن تسالهم… واسمي مكتوب في جوازاتهم …
أبوهم عارف
قلت ليهو
أيوه عارف
جيبي دليلك …
يازول أسي الراجل الختمت ليهو ومشى مع شفعو ديل ليه ما سألتو ….
قال لي دا أبوهم …
وديل أنا أمهم …
(كان كتفي حينها لا يزال ليِّناً من دمع أمي).
يا استاذة ما داير كلام كتير عندك تفويض من أبوهم أو (عمهم) تسوقيهم… إذا مافي زحي عشان غيرك يستعمل الشباك …
وانصرف عني وهم يغمغمون بشيء تحت انفاسهم … فعرفت انني قد (افوت) طيارتي اذا استمريت في جدال مع طاحونة الهواء هذه.. فأخرجت من حقيبتي ورقة حرّرها والد البنات تسمح لهن بالسفر في عدم وجوده …
طيب لمن عندك من قبيل اللماضة الليك شنو …

وختم لينا للذهاب بعيداً عن أرض تحتاج فيها الأمهات لإذن لاصطحاب أطفالهن ولا يسأل فيها الآباء فقط لأنهم رجال.
عجبت لأناس لم ينتبهوا إنو لا وجود لفحص لإثبات الأمومة في حين إثبات النسب للأب يحتاج لقومة وقعدة
إذا كان هذا التمييز والظلم وعدم العدالة الفاضح صنع بدعوى أن هناك سيدات يذهبن بأطفالهن بعيداً دون علم الأزواج… هناك أزواج أيضاً فعلوا ذات الفعلة مع زوجاتهم وغرسوا خنجراً في قلب أمومتهن وتسبّبوا في حرمانهن من ضي العيون …

لماذا لا يكون هذا القانون سارياً على الكل… حتى لا يستخدمه بعضهم لتصفية حساباتهم مع شريكاتهم… ومطلقاتهم بغرض تصفية حسابات ولايراث هؤلاء السيدات مزيداً من الحزن والألم والغبن والحسرة… ناسين أو متناسين أن من لا ينفع كشريك لا يقدح هذا في مقدرته أن يكون أم/ أب جيد

قانون الأحوال الشخصية السوداني قانون ينضح تفرقة وعدم عدالة ويلزمه مراجعة وتصحيح.. مبني على عقلية ذكورية مُهترئة وعطنة.. مؤلم ومهين ويدعو لتركيع السيدات والتكريس لإهانتهن…
هذا القانون هو معركة السيدات الأولى في بلاد الشموس هناك.. ما ضروري ان تطأ الجمر حتى تعرف لسعته وحرارته وألمه يكفيك ما تراه في وجوه من مورس عليهن لتعلم ما يخلفه في النفوس…
وما زال كتفي ليِّناً من دمع أمي.

د. تماضر الحسن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*