الرئيسية / شباب وجندر / حليل فاطنة الكانت لايكة الصّبُر

حليل فاطنة الكانت لايكة الصّبُر

Sudan voices

الباقر العفيف

 

يوم الأربعاء ١٦ أغسطس ٢٠١٧ ودع شعب السودان أمه الرؤوم. فقد عادت إليه بعد طول غياب. أشرع الشعب ذراعيه ليضمها في حضنه الدافئ بعد أن حظيت من وطنها بتربة.
ماتت فاطمة.
هدأ الإعصار.
خمدت حمم البركان.
واستراحت من مرارة الظلم والأحزان.

أنفقت عمرها كله مُشَمِّرة عن ثوب النضال، ساعية من أجل العدالة لها ولشعبها. لم تفتر لها همة. ولم يَعْتَرٍِِِ روحَها الوهنُ. انطبق عليها قول السادة الصوفية عن المُريد الجّاد “مما عقدو ما نقضو”.
صارت أيقونة الظلم المريع.
فهي حَسَنَُنا وحُسَيْنُنا ومريمُنا العذراء.
توحّد عندها الهمُّ العام مع الغبن الخاص وحدةٍِ لا انفصام لها.
أصبحت ضميرا يؤرق الذين سلبوها أعز ما تملك في هذه الدنيا، رفيق العمر، وشفيع درب الكفاح المر. الحضن الملاذ من كَبَد المعاش، والكَتِف وِسَادة الرّأس حين العودة من رهق النضال.
عاشت لترى أغلب الذين ساموها العذاب، وجعلوها تترمّل وهي في شَرَخ الشّباب، يغادرون الدنيا واحدا بعد الآخر. أعتقد أنه لم يبق من مجلس قيادة “ثورة مايو الخالدة” سوى واحد فقط يُِظَنُّ أنه هو من عذّب الشفيع بيديه حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، ثم أمر بتعليقه جسدا.
يا ترى ما هو شعوره الآن؟
حرموها حتى من قبر تزوره. تناجيه. تبكي عنده. تضع عليه إكليلا من الورود. وتصلي جنبه.
أي وعورة وأي وحشية تلك التي تبيح للناس أن يقتلوا الشهيد ثم يصادروا جثمانه؟!!
“ألا إن منظر الظلم شنيع”.
“ألا إن منظر الظلم فظيع”.
هكذا عَبَّر الأستاذ محمود محمد طه في منتصف أربعينات القرن الماضي عندما رأى امرأة أخرى تُظْلَم.
أراد المشير البشير لفاطمة سوء الخاتمة بإعلانه “تكريمها” بجنازة رسمية، يَتَصَدَّرَها هو، ويؤم الناس في الصلاة عليها، كما فعل في تشييع فنان الشعب محمد وردي.
ولكن روح فاطمة، المقاتلة الشرسة، أفشلت هذا المخطط الرخيص الذي يرمي لإهانتها، ومحو تاريخها المناهض للرؤساء القتلة السفاحين.
قرر الانتقام منها ومن الذين أُلْهِمُوا الصواب من بين أهلها وأعضاء حزبها، الذين حرموه متعة إغاظة الشعب واختطاف رموزه، فأصدر مرسوماً جمهورياً بترقية المُتَّهم بقتل شفيعها إلى رتبة الفريق.
ماذا تعني ترقية شخص على أعتاب القبر؟
ماذا يستفيد من هذه الترقية؟
ربما ليترك معاشا أكبر لورثته؟
الرسالة واضحة. هذه بتلك. تحرمونني من أن ألطخها بقذارتي، فإني أحتضن من تعتبرونه قاتل زوجها، فهو مثلي لا يعافني.
كافحت فاطمة وما استكانت. ولكن تَعِبَ الجّسدُ النحيل.
قاتَلَت وما استسلمت. ولكن شاخ الوجه النبيل.
لم يعد الجسم قادرا على حمل تلكم الروح الكبيرة. فناء بها. وكان عليها أن تغادره.
صدق من قال: “وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام”.
أنفقت حياتها كلها تطلب عدالة الأرض فلم تجدها.
والآن تقف بين يدي الله طالبة عدالة السماء.
البركة في الشعب السوداني الذي عاشت فاطمة مضحية من أجله وماتت مضحية من أجله. فاستحقت بذلك لقب أم الشعب.
وحق للحزب الشيوعي أن يفخر إذ خرج من بين صفوفه شاعر الشعب وأم الشعب.

 

الباقر العفيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*