الرئيسية / أخبار / فيصل مجمد صالح :إنت نسيج الفدا هندامك في مديح البسالة…وذم السخف والاستخفاف

فيصل مجمد صالح :إنت نسيج الفدا هندامك في مديح البسالة…وذم السخف والاستخفاف

Sudan voices
فيصل محمد صالح

خلال ثورة 25 يتاير المصرية..هاجم القناصة مدعومين بمدرعات الشرطة في الإسكندرية المتظاهرين، فتراجعوا للشوارع الجانبية. انبرى شاب اسكندراني وبرز للشارع ليواجه القناصة، فتح أزرار قميصه وواجههم بصدر عار، انطلقت رصاصات العسكر لتصيبه في قلبه..وراح الشاب المجهول، وقتها، شهيدا، لكنه ألهم الملايين من أبناء الشعب المصري ودفعهم للصمود حتى سقط نظام الطاغية، وخلد في ذاكرة الشعب المصري كأحد أيقونات الثورة.
ذكرتني هذه الصورة لأحد شباب جامعة الخرطوم وهو يواجه العسكر وحيدا بذلك الموقف الملهم
الإلهام قيمة، العاطفة الوطنية قيمة، الصمود قيمة، الانتماء قيمة، البطولة قيمة، والشجاعة والجسارة والبسالة أيضا قيمة. لا حياة لوطن وشعب ومجتمع بلا قيم.
يحن الإنسان لوطنه، لحلته، لقريته التي قد تكون ثلاثة بيوت وشجرتين في مكان نائي من أقصى الشمال أو الشرق أو دارفور، لا تساوي شيئا بالمقاييس المادية، لكنها تعني الكثير لمن يحس بها، ويمكن أن يقدم حياته فداء لها. هذه قيم يعرفها الجميع، إلا بليدي الحس والشعور.
جامعة الخرطوم ليس مجرد مكان وعدد من البنايات، ليست مجرد مدرسة، هي جزء من الذاكرة الوطنية الجمعية، أولى إشراقات شمس التعليم والمعرفة بالبلاد، من بواكير مؤسسات الوعي وقلاع الوطنية السودانية، من هنا خرج رواد مؤتمر الخريجين، ابطال الكفاح الوطني، وصانعي ملاحم أكتوبر وأبريل, ظلت واحدة من قلاع المقاومة في كل العصور، ومهما كانت شراسة الحكام وبربرية آلاتهم القمعية. ومن يسعى لهدمها أو بيعها أو تحويلها لمجرد مزارات سياحية، يسعى عن عمد وإصرار لخلخلة الذاكرة الوطنية وضربها في مقتل وسحل رموزها، وإفراغ الروح السودانية من معاني وقيم كثيرة، وتحويلها لمجرد آلة حاسبة تحسب القيمة المادية للمبنى، دون المعنى.
جامعة الخرطوم بناها الإنجليز؟ وماذا في ذلك، مشروع الجزيرة بناه الإنجليز، السكة حديد، الجيش السوداني الذي كان قوة دفاع السودان، الخدمة المدنية التي كانت إحدى مفاخرنا، مدينتي التي أحب، بورتسودان، بناها الإنجليز من الفراغ، فهل تصبح كلها بلا قيمة وطنية أو معنوية. ما هذا السخف والاستخفاف. قناة السويس حفرها وبناها الفرنسي فرديناند دوليسبس، فهل يعني ذلك أنها ليست جزءا من تاريخ مصر وروحها ووطنيتها؟
بسالة هؤلاء الشباب والطلاب في الدفاع عن إحدى الحصون الوطنية لا تقل في شأنها ومعناها عن كل معارك الدفاع عن الوطن والوطنية والحياة التي يستحقها الشعب السوداني. ومعركتهم هذه ذات أكثر من معنى وبعد.
لماذا يريد البعض، بحسن نية أو سوء نية، لا يهم، أن يجردون بلادنا وشعبنا من تاريخهم وقيمهم ومآثرهم الوطنية؟
عبد القادر ود حبوبة لم يكن ثائرا وطنيا وإنما قاتل الإنجليز لأنهم نزعوا أرضه، والمك نمر ثأر لكرامته الشخصية ثم هرب، عبد الفضيل الماظ مجرد عميل للجيش المصري الذي باعه وسلمه للإنجليز، وعلي عبد اللطيف ثائر رومانسي وربما مجنون، ثورة أكتوبر غلطة صححها الشعب حين صاح في عبود “ضيعناك وضعنا وراك”… وانتفاضة ابريل أكذوبة من صناعة المخابرات الأمريكية.
ماذا يتبقى لنا بعد ذلك….هل الغرض أن نصبح بلاد بلا تاريخ ولا قيمة ولا معنى ولا تراث ولا أبطال، حتى يسهل على من يريدون ملأ الفراغات بمشاريعهم الفاشلة ويزرعونها بأوهامهم وسخافاتهم؟
السودان هو جامعة الخرطوم وكلية كتشنر الطبية ومشروع الجزيرة وميناء بورتسودان ووادي حلفا وفاشر السلطان ابو زكريا، هو مسيد ود عيسى وأم ضوا بان وكركوج وأرباب العقائد، هو المهدي والأزهري والمك نمر وعلي دينار وعلي عبد اللطيف وعثمان دقنة والقرشي وأكرم الفاتح واللواء محمد عثمان كرار، هو وردي وود الأمين وبادي وحاج الماحي وود السافل وشرحبيل وكرومة وسرور، دار الرياضة بأمدرمان وجكسا وماجد والمحينة، هو فاطمة أحمد إبراهيم ونفيسة المليك وعزيزة مكي ونفيسة أحمد الأمين، هو ملكة الدار والطيب صالح والمجذوب واسماعين ود حد الزير وحميد ومحجوب شريف.
والذين يدافعون عن أي رمز وأي مبنى وأي قيمة معنوية وتاريخية يدافعون عن السودان الكبير متجسدا في كل وأي من هؤلاء. هؤلاء يدافعون عن حياتنا، عن قيمتها ومعناها، ويعطون لحياتنا معنى ومبنى.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*