الرئيسية / أخبار / سودانفويسس ” تحاور الشاعر فضيلي جماع

سودانفويسس ” تحاور الشاعر فضيلي جماع

Sudan voices

حوار : احسان عبدالعزيز

فى محاولة أقرب الى المغامرة لإقتحام عالم إبداعى مترامى الاطراف لشاعر وروائى وكاتب مميز.. يعدو على أرصفة الوطن الممتد من القلب الى القلب.. مطوعاً مسارات الغربة والترحال بحثاً عن رائحة الهشاب والطين والمطر.. ينشد خطى الصحو الامنة نحو وطن أصبح عصياً على أهله.. يرسم بالكلمات وجهاً لإشراقات الصبح الحلم والذى يتجاوز بالوطن ويلات الحرب وصراخ الاطفال ودموع الارامل والثكالى.. فيأتينا صدى حروفه صوتاً يأخذ منا الاعماق ويوقظ الشوق والحلم والثورة فينا وفى جوفنا وفى دارنا..
إنه الشاعر والكاتب الروائى والمسرحى.. بل والوطنى الغيور و الانسان المبدع والفنان المرهف الاستاذ  الشاعر فضيلى جماع.. ونأخذكم معنا فى جولة إقتحامنا الخجول لفضاءاته الواسعة.
س/ فى محاولة لتجنب السؤال التقليدى المعروف بالبطاقة التعريفية خاصة وفضيلى جماع غنى عن التعريف.. فقط دعنى أسأل عن تداعيات المحطات التى مررت بها عبر تجربتك الابداعية فى الشعر والرواية والكتابة فى المسرح والدراما وغيرها.. .بدءً بالمجلد مسقط رأسك.. ومروراً بخور طقت الثانوية وجامعة الخرطوم ووقوفاً عند محطات الغربة والترحال وأخرها مدينة الضباب؟
• لنكن صرحاء يا أستاذة إحسان : إذا كنت سأجيب على هذا السؤال بكل ما احتواه من محاط حياتي بدءا بمسقط رأسي المجلد ثم مدرسة خور طقت الثانوية فجامعة الخرطوم ثم محطات الغربة والترحال – إذا كنت سأجيب على كل ما في هذا السؤال ولو باختصار فهذا يعني أنني سأحكي سيرتي الذاتية، وهو ما لن أقدر على فعله.
لكني أعطي بعض الإسقاطات عن رحلتي الإبداعية المتواضعة حتى لا يحوم الشك عندك وعند قراء صحيفتكم الغراء بأني أرفض الإجابة على سؤالك.
بدأ مشروع الكتابة عندي باكرا جدا- خاصة الشعر والمسرح. مثله مثل أي بداية خجول تحتاج تجربة الحياة وزاد المعرفة التي تعتبر الكتب بمختلف مواضيعها الزاد الرئيسي لها. بدأت أنشر أولى محاولاتي الشعرية بالصحف السودانية وأنا طالب بخورطقت الثانوية (ملحق الرأي العام الأسبوعي وصحيفة كردفان).. واصلت النشر بصحف سودانية أخرى وأنا طالب بكلية الآداب – جامعة الخرطوم .. كما نشرت لي دار الإرشاد أولى محاولاتي في الرواية (دموع القرية) وأنا طالب بالجامعة (كتبتها وأنا بالسنة الأولى بكلية الآداب.)
واصلت محاولاتي في الكتابة. أرى أن مشكلتي هي أنني لم ألتزم لونا إبداعيا واحدا. كما ترين فإنني جربت المسرح والدراما الإذاعية والنقد والمقال الصحفي. وهذا التنوع في التجربة قاس ومرهق..لكن هذه طبيعتي ..هكذا وجدتني .. متى ضقت بالعالم ذرعاً ونويت التعبير عن مكنون ذاتي قمت بالتعبير عن همومي بالكيفية التي أراها: شعرا أو نثراً.
س/ الحزن و الفرح.. أيهما الأكثر حضوراً فى شعر فضيلى جماع وأيهما الأكثر إيحاءً له؟
أدعي أنني كاتب يبشر في كل ما يكتب بإطلالة فجر جديد..أنا شخص شديد التفاؤل لكن الحزن مكون أساسي في كتابتي. ربما لأن حياة السفر المستمر والثورة المستمرة على أنظمة القمع في بلادنا والمنفى والفقر كل هذه مجتمعة جعلت رنة الحزن في كتابتي سمة بارزة. كما إنني أثق أن الحزن أصلا أكثر صدقا من الفرح ..فالفرح كما قال الشاعر المقاتل محمود درويش خيانته قاسية!
س/ القصائد التى كتبتها فى المعتقلات.. فى تلك الزنازين المطبقة بالوحشة والصمت والسكون كيف تتداعى لك القصيدة والتى فى الغالب لا تخلو من الرومانسية والوجد (الحزن الاخضر نموذجاً) ؟
هذا سؤال جيد. ما استطيع تأكيده منطلقا من تجربتي الشخصية في مزاولة الكتابة الإبداعية في الحبس أن القصيدة على وجه التحديد ممارسة فعالة لمقاومة الإحباط. في كتابة القصيدة غالبا ما يزورك في السجن صورة مزدوجة: المرأة كونها خارطة للوطن أو الوطن في صورة المرأة. ما زلت أقول أن هذا من وحي تجربتي الشخصية. كما إنّ التداعي العاطفي والعلاقات الإنسانية الحميمة ليس بالضرورة أن ينطبق عليها ما هو سياسي وفلسفي إلا حين تتشكل في قالب آخر يفرضه ظرف التعاطي مع الكتابة الإبداعية إذ ليس بالضرورة أن تلتزم شرطاً أو قالبا بعينه في كل حال.

س/ لمن كانت قصيدتك (إعتداء الوردة على النظام العام) للمرأة أم الوطن؟
• وكيف ترينها أنت ؟ هذا السؤال يا أستاذة إحسان يسمونه في النقد (لعبة ابحث عن المؤلف !!).. قطعاً لن أعطيك رأس الخيط. فالقصيدة كما يقولون قبعة يضعها كل على رأسه بالكيفية التي يراها وفي الوقت الذي يريد. (اعتداء الوردة على النظام العام) من قصائدي التي أحبها.. وستكون ضمن مجموعتي الشعرية (ردي زبد البحر إلى البحر) التي آمل أن تصدر منتصف هذا العام 2016م.
س/ ننتقل الى جماع الكاتب المسرحى.. (المهدى فى ضواحى الخرطوم).. أيهما اوحى لك بها.. التاريخ أم ديكتاتورية النظام المايوى؟
• من فضل الله على الإنسان أن يمنحه خيراً من داخل أقسى التجارب. كنت دون الخامسة والعشرين حين تم اعتقالي لعامين بسبب الكتابة (قضيتهما في كوبر وشالا). كانت تلك من أكثر الفترات التي طالعت فيها مختلف الكتب وخاصة في الرواية والمسرح والنقد الأدبي والشعر. في المعتقل ولدت فكرة مسرحيتي (المهدي في ضواحي الخرطوم) ..وحين تم إطلاق سراحي قمت بكتابتها. مدة عرض المسرحية على خشبة المسرح القومي – رغم الشهرة التي نالتها- سبعة عشر يوماً فقط (17 يوما فقط). كان النظام قد ضاق ذرعاً بها. قالت أدارة المسرح إن موسم العرض المسرحي قد انتهى.. لكننا كنا نعرف أن هراوة السلطة كانت وراء القرار. وفي آخر يوم لعرضها لم تسع مقاعد المسرح الجمهور لكننا سمحنا لهم بالدخول دون تذاكر.. وأذكر أن حشدا من الناس شاهدوا العرض (ساعتين) وهم وقوف. العمل كان محاولة لاستدعاء الأسطورة والإرث الشعبي في ثوب درامي. التاريخ كان مجرد إطار. وطبعا كانت محاولة لنقد الأنظمة القمعية.. لذا لم يحتملها النظام كما اقشعر بدنه من قبل من رائعة هاشم صديق (نبتة حبيبتي)!
المسرح من ألوان الفنون التي أحبها لعلمي أنها وسيلة سريعة التعاطي مع الجمهور وشديدة التأثير عليه.

س/ كانت لك إسهامات مميزة فى الدراما الأذاعية.. ماذا بعد (الشمس والقطار) والتى توقف بثها بعد إنقلاب الانقاذ؟ وهل ترتبط الكتابة عندك فى هذا المجال بالعرض المغيب بفعل النظام؟ وينطبق ذات السؤال على كتابتك للمسرحية ؟
• أود – لو سمحت لي – تصحيح معلومة ، وهي أن تمثيلياتي الإذاعية : (كان زمان) و (الشمس والقطار) و(دموع القرية) و(العصافير تهاجر) قد بثت جميعها في فترة نظام مايو. أما المسرحية التي تم إيقاف تسجيلها بمجرد مجيء ما عرف بنظام الإنقاذ فهي مسرحيتي (حكاية حب في الزمن الصعب). لحسن الحظ أنني احتفظ بنسخة منها طبعت على الآلة الكاتبة. وقد قررت تحويلها لنص مسرحي.
تعرفين أن النص الإذاعي وكذلك النص المسرحي يكتب بغرض إذاعته أو عرضه مباشرة بعد كتابته. ولأني في هذا المنفى الطويل وليس هناك وسيلة بث أو عرض لكتاباتي الدرامية فقد توقفت عن كتابة النص المسرحي/ الإذاعي مؤقتا مستعيضا عن ذلك بقراءة المسرح العالمي – وخاصة المسرح البريطاني. هنالك فكرة تراودني منذ فترة لكتابة عمل مسرحي لكني أرجأتها بسبب مشروع الرواية الجديدة التي زحمت كل وقتي.
س/ كتابة المقال السياسى والادبى.. ما كتبته وتكتبه وأنت تواكب الاحداث خاصة السياسية منها يعتبر جزءاً من التوثيق الهام لتاريخ المرحلة بما فى ذلك ما كتبته عن الحريات الدين والهوية والحرب والسلام وغيرها.. فهل هناك مشروع لتجميع هذه المقالات.. أى على غرار (قراءة فى الادب السودانى الحديث) الذى أصدرته فى العام 1991م ؟
• نعم ..لي كتاب جديد في طريقه للنشر يضم نمطين من الكتابة الإبداعية في المقال الصحفي. يحوي قسمه الأول مقالات في الأدب والنقد وفي القسم الثاني من نفس الكتاب مقالات كتبتها في المعطى السياسي لكن بأسلوب أقرب للتعاطي مع الصحافة والأدب. ولأن معظم مقالات الكتاب تتحدث عن سؤال الهوية السودانية بصورة أو أخرى ولأن رأي كاتب هذه السطور أنّ ما يسمى بالأدب السوداني والفن السوداني هو مجرد تعميم بائس فرضته ثقافة المركز دون مراعاة لعطاء مجموعات اثنية كبيرة تمثل من حيث الحيز الديموغرافي أكثر من ثلثي السكان. لكل هذا فإن وجهنا القومي في المعطى الإبداعي لا يزال بعيدا. نحن نردد مثلا مقولة الفن السوداني والأدب السوداني مجازاً ليس إلا..إنه افتراض ثقافة المركز وما يبثه على مدى ما يقرب من سبعين عاماً راديو وتلفزيون ام درمان. إنّ الوجه الحقيقي لقومية الثقافة السودانية الجامعة للهوية ولو بصورة نسبية لم يتكون بعد. هذا الذي نراه ماثلا للعيان مجرد قناع.. لذا أطلقت على الكتاب اسم (الوجه والقناع). هنالك مقال طويل نسبيا يحمل ذات العنوان.
س/الشعر والرواية والمسرح.. الان فى السودان كيف يراها فضيلى جماع؟
• بعدي عن الوطن كما تعلمين (25 عاما) حرمني من المتابعة اللصيقة للمعطى الإبداعي في بلدي..لكنني أتابع – خاصة وأنني بطبيعة الحال شديد الحرص على قراءة المنتج الإبداعي السوداني في مختلف أجناسه : المسرح والرواية والشعر والنقد إلخ… لم يتوقف المبدع السوداني أبدا. بل إن هذه الفترة المظلمة من تاريخنا السياسي كانت بمثابة الباعث على التحريض في الكتابة الجادة ضد القبح. هنالك انفجار سردي (الرواية والقصة القصيرة) وبطبيعة الحال فإن كثرة المنتج لا تسلم من وجود الطحالب في هذا الكم الكبير. لكن هناك مبدعون/ مبدعات في الرواية والشعر يشار إليهم بالبنان. ويكفي ظهور روائي مقتدر هو عبد العزيز بركة ساكن – هذا الشاب المتواضع والجاد. كما إن هناك إصدارات جادة في القصة القصيرة. وقد لفت انتباهي التفرد النسائي السوداني في كتابة القصة القصيرة بصفة خاصة.
س/ إغلاق نظام الخرطوم لدور المعرفة والمراكز الثقافية بالسودان.. ضد من حسب رأيك؟
• لن أطيل في الإجابة على هذا السؤال. كل ما استطيع القول في هذا الخصوص أن نظام الإسلامويين في السودان بطبيعته ضد الإبداع .. إنه نظام يقوم بإنتاج وتصدير القبح ، مثل الحرب وجلد النساء واستخدام الاغتصاب سلاحاً في الحرب ضد المواطنين العزل، وإغلاق دور السينما في كل أنحاء البلاد وبيع مواقعها لمنسوبيه من الرأسمالية الطفيلية. مثل هذا النظام لا يمكن أن يفعل شيئا يصب في خانة المبدع..بل إن مهمته هي إعلان الحرب على الحياة والفن والجمال وعلى من يبدعونها. وإغلاق المراكز الثقافية مجرد حلقة في سلسلة ممارسات هذا النظام الفاشي في حربه ضد الإبداع.

س/ نختم بفضيلى جماع والسياسة.. (لابد مما ليس منه بد). كنت واحد من الخبراء السياسيين فى وفد الحركة الشعبية فى تفاوضها مع حكومة السودان فى جولة التفاوض العاشرة بأديس أببا.. الجولة العاشرة كغيرها من الجولات التسعة السابقة لم تحرز تقدماً فى أجندة التفاوض.. فى الوقت الذى تستعر فيه الة الحرب.؟

• عندما تتحاور مع من لا يعترف بالآخر فإنك كمن يحاور حائطاً أصم. فكر ما عرف اليوم في عالم السياسة بالإسلام السياسي هو فكر إقصائي. لذا فإن تسجيل الحضور لقاعات المؤتمرات عند النظام الحالي هو مجرد حيلة سخيفة في بيع وشراء الوقت. هذا النظام فقد كل مصداقية لبقائه. إن ما ينتظر شعب هذا البلد هو تصعيد أنشطة خلايا الشباب والمنظمات المدنية والأحزاب (رغم ضعفها الظاهر للعيان) في كل مدن وقرى السودان. والتنسيق مع حاملي السلاح من ثوار الهامش لكتابة النهاية العاجلة لهذا النظام واستبداله بنظام مدني يتساوى فيه الكل في الحقوق والواجبات. تجربة الأيام السبعة مع ثوار الحركة الشعبية في الجولة العاشرة بأديس ابابا فتحت عيني وأكدت لي أن هذا النظام مجرد خيال مآتة (بو) يرعب الناس يما لا يملك من قوة ستنهار بسرعة البرق متى قامت الانتفاضة الشعبية الجامعة. وبيننا الأيام!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*