الرئيسية / أخبار / رسالة خاصة – لو سمحتم: أقول للأهل هذه المرّة …

رسالة خاصة – لو سمحتم: أقول للأهل هذه المرّة …

Sudan voices

فضيلي جماع
ما كنت أحسب أن الانطباعات التي نشرتها في بعض المواقع الإليكترونية وفي صفحتي بفيس بوك حول مؤتمر أديس أبابا تجد هذا القبول من القراء. أقول ذلك دون ادعاء لتواضع زائف. لكن ما لفت انتباهي – وهو موضوع هذه الخاطرة- شحذ النظام عبر قنواته الصحفية وعبر الأسافير لمداه الصفراء مستخدماً سلاح القبلية والجهوية لخلق معركة في غير معترك. كانت حيلة النظام وأعوانه إثارة أبناء المنطقة بحسبان أنّ ابنكم فلان الذي تنتظرون منه خيراً قد انضم لصفوف حركة المتمردين- تحديداً الحركة الشعبية لتحرير السودان! وبقدر ما اكتظ بريدي وما يزال برسائل الخيرين والخيرات من أبناء السودان في الداخل وفي المهجر- تشجيعا ومؤازرة – كانت الرسائل المغرضة على قلتها وتفاهة ما تحويه تصب في الوازع الجهوي والقبلي. وازدحمت مجموعات الواتساب باللغط حيث الضرب من بعضهم على طبول القبيلة ونحاسها.

وبقراءة هادئة وعقلانية نقول إنّ هدف منسوبي النظام كان معركة الوازع العرقي والتي سيخسرها النظام في كل أنحاء السودان طال الزمان أم قصر. وفي المنطقة التي رأيت الشمس والقمر فيها أول مرة – وبالتحديد الجغرافي منطقة المسيرية – يريد كاتب هذه السطور أن يبشر نظام (داعش بالوكالة) أنّ شمسه في طريقها للزوال بل وفي السودان كله.. وأنّ خوض أبناء تلك المنطقة للحروب بالوكالة يشهد آخر حلقاته القذرة. هنالك جيل جديد من الشباب والشابات – يسعدني أنّ كثيرين منهم ممن لا أعرفهم بالاسم- يشرفونني دائماً بالتواصل عبر الهاتف والوسائل الإليكترونية واضعين نصب أعينهم صورة باهرة لوطنٍ آخر خلواً من التعصب للون والعنصر والدين. هؤلاء هم بشارتي وأنا فخور بهم/ن.

أرجو أن يسمح لي قراء هذه الخاطرة – والتي وجدتني مضطراً لكتابتها كرسالة للأهل – أن أقول الآتي لمواطنين سودانيين ما عرفوا طريقاً للراحة مذ عملت حكومات المركز على مختلف أنواعها – وهذا النظام على وجه الخصوص على تحريك الوازع القبلي هناك حيث يخلق لهم هذا الحراك مليشيات قبلية تخوض لهم حروبهم القذرة بالوكالة! لقد عمل نظام الانقاذ على استنفار روح الحرب والكراهية بين القبائل في تلك المنطقة في مجتمع رعوي يظل الإنسان فيه موزّعاً في هموم الترحال من موضع لآخر على ظهر الدواب خلواً من الخدمات الأساسية وعلى رأسها التعليم والدواء. وكيف يتسنى لإنسان عالق على ظهر دابة طيلة أشهر السنة أن يجد مكانه في عصر الإنترنت والفيمتو سكند؟

ولعلّ هذا النظام – وقد انفصل الجنوب- لم يجد وازعاً للحروب التي يعيش على جثث ضحاياها سوى إشعالها في الحزام الرعوي الممتد من قبيلة سليم العريقة جنوب النيل الأبيض وانتهاء بالهبانية والتعايشة في رهيد البردي وحفرة النحاس. قامت حروب وحروب بين قبائل وإثنيات يجمع بين شعوبها أكثر من وشيجة دم وآصرة نسب. حروب بين من يسمونهم زرقة وحمرة (في دارفور) وحرب بين الرزيقات والمعاليا وحروب بين أقرب الأفخاذ في المسيرية نفسها. والسلاح الذي زودت به الخرطوم مليشيات قبلية انقلب هذه المرّة على أهلنا فاقتتلوا دون رحمة. سالت دمعتي وأنا أرى صوراً لشباب غض من الفاقد التربوي يقفزون فرحين فوق جثث قتلاهم من بني عمومتهم وأقاربهم في حرب تافهة الأسباب بين الزيود وولاد عمران (فخذين جارين من المسيرية). وأبشع من ذلك الحرب الأخيرة بين المعاليا والرزيقات. يموت الرجال والنساء والأطفال بالجملة في حرب تحركها أيدي النظام القذرة. وجيش النظام يحرس مواقع النفط في أبي جابرة وغيرها لأن ما يملأ كروش وجيوب سدنة النظام في الخرطوم أهم بكثير من أرواح تزهق في صراع قبلي لمجتمعات رعوية في غرب السودان. لم يقطع نظام الإنقاذ القبيح عشمه في بذر الفتنة وإشعال الحروب بينكم يا أهلي في تلك الديار الطيبة ، بل لن يستريح له بال والناس عندنا ينصرفون للاستقرار والتفكير في حقوقهم. لذا فإنه يستخدم من يستخدمهم من الانتهازيين لمصلحته وليس لمصلحتكم. وحين تبزغ شمس الوعي في لقاوة الباسلة ويلجأ مواطنوها للمطالبة بحقوقهم بأكثر الوسائل عصرية (العصيان المدني) يجن جنون النظام ولا يهدأ له بال.

نعم .. كنت هناك في أديس أبابا مع آخرين أخيار لمحاولة إيقاف نزيف الدم السوداني. كانت بطاقة الدعوة من الاتحاد الأفريقي لنقوم بالنصح لفريق المفاوضين في الحركة الشعبية. وأعترف أنّ مفاوضي الحركة بقيادة الأستاذ ياسر سعيد عرمان – وقد خبرتهم لسبعة أيام – ما كانوا بحاجة لرأي مثلي وهم الذين هزموا نظام الخيبة في ميادين الحرب وفي قاعات الحوار. كان دوري متواضعاً ، ولكني أتيت لأنّ قناعتي أنّ حقن الدم السوداني سيعجل برحيل بوم الإنقاذ في السودان كله وفي منطقة ولدتني وأكرمني دافع ضرائبها بالتعليم المجاني. ولأنّ رحيل بوم الإنقاذ يعني سوداناً جديداً يتساوى فيه الناس ، كل الناس في الحقوق والواجبات. أنا مواطن سوداني يحلم بالسلام لربوع وطن أحبّه منذ صغره حتى النخاع. ولكني أيضاً أنتمي في البيت الأصغر لمنطقة علمتني ثقافة البدو والفلاحين فيها أنّ باطن الأرض خير من ظاهرها إذا كان خيارك الوحيد أن تبقى عصاً في يد الآخر يهش بها غنمه أو أن تكون كلب صيد يستخدمونك عند الحاجة مقابل الفتات. أرفض هذا لنفسي وأرفضه لأي سوداني وسودانية.. وطبعاً أرفضه لأهلي وبطانتي!

يا قرّاء هذا المقال في كل مكان، ويا أهلي في منطقة المسيرية: كفاكم نوماً. ترجّلوا من ظهور الدواب وانظروا لشمس العصر التي لا يراها من يحسب أن القبيلة هي المبتدأ والمنتهى. إنّ الحركة الشعبية ليست عدوّكم يا أهلي. أنتم ودينكا نقوك والنوبة والداجو وزغاوة وأهلنا من شمال الوطن الذين صاروا جزءا من نسيجكم الاجتماعي – كل هؤلاء تمثلون واحدة كما كان الحال منذ عصور. يجري النفط تحت أقدامكم ويموت الناس في منطقتكم بالسل وحمّى الملاريا والتايفويد. من الذي يسرق نصيبكم من النفط ويشعل بينكم الحروب؟ هل هو الحركة الشعبية؟ أنا فخور بصداقتي للحركة الشعبية التي لست عضوا فيها ولكني أشاركها رؤية وطن جديد لكل السودانيين دون استعلاء وصلف أجوف. اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد !!

فضيلي جمّاع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*