الرئيسية / أخبار / الدكتور أمين مكي مدني : ماذا نريد من الرئيس أمبيكي الآن؟

الدكتور أمين مكي مدني : ماذا نريد من الرئيس أمبيكي الآن؟

Sudan voices

المدافع البارز عن حقوق الانسان ، الدكتور أمين مكي مدني :
ماذا نريد من الرئيس أمبيكي الآن؟
تناولت عدد من الصحف اليومية خلال هذا الأسبوع حدث زيارة الرئيس ثابو أمبيكي الحالية للسودان، إيجاباً وسلباً، بينما حوت بعض المواضيع تعليقات عن أهمية الزيارة في سياق دعمها لما يسمي بـ “الحوار الوطني”، والدور الرائد لأمبيكي المبعوث من مجلس الأمن والسلم الإفريقي، وأهمية زيارته بوصفه الرئيس الأسبق لجمهورية جنوب إفريقيا، وأحد أكبر قادة التحرر الوطني وإحقاق الإستقلال والوئام الوطني في بلاده، ومن ثم دوره الرئيسي في السلام والتحول الديمقراطي، ليس في جنوب إفريقيا فحسب، بل مساهمته في دعم الإستقرار ومشاريع التنمية في إفريقيا بصفة عامة، قللت صحف آخرى من أهمية الزيارة، من منطلق أن الحديث عن الحوار الوطني الشامل لم يعد ذا جدوي اليوم، بعد أن أستقر الوضع بإجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية القومية والولائية، وتعيين الولاة وتوقفت مجموعة 7+7 عند محطتها الأولي، فلم تعد هناك أى جدوي للحوار، وأن علي المعارضين للنظام ، سواء حملة السلاح أو القوي السياسية الانصياع للأمر الواقع والعودة الي مركب النظام، بمعني أن مساعي أمبيكي السابقة قد فشلت بعد أن حقق النظام مرامه واستقرت أحواله للخمس سنوات القادمة علي أقل تقدير؟. كما يضيف البعض أن لا أمبيكي ولا الإتحاد الإفريقي أو الدول الإفريقية، مجتمعه أو فرادي مؤهله لحسم أزمة الحكم في السودان عقب ما صار نظام الحكم الحالي علي ما هو اليوم.
نقول، ان جهود الإتحاد الإفريقي، سواء علي صعيد المنظمة أو لجنة أمبيكي أو أى صعيد آخر، لا يمكن، أو بالأحري، لا يجوز تقديمها إلا في سياق الإقرار بأن ما تم طرحه فيما عرف اجتهاداً، وليس صراحة بـ ” حوار الوثبة” بداية العام المنصرم، عقب خطاب رئيس الجمهورية، وقيام مؤسسات النظام بمحاولة تسويقه ليصار بهتاناً “خطاب الحوار الوطني”، وما تبعه من تكوين ادوات النظام الي 7+7 من الحزب الحاكم والساعين الي السلطة تحت مظلة نظام الحكم الحالي، ثم انسحاب بعض أحزاب منه، وما تبع ذلك من بداية ونهاية، ” الحوار السياسي” و ” الحوار المجتمعي” في المهد، ربما عدا وثيقتي ما عرف بـ ” خريطة الطريق” و ” إتفاق أديس ابابا” بين امبيكي ومجموعة 7+7 الذي قصد منه التمهيد الي ما كان يمكن ان ينعقد بموجبه ” الحوار القومي الشامل” بين الحكومة والمعارضة بأشكالها كافة، غير ان الحكومة أسدلت وراءه ستاراً حديدياً. كما حدث نفس المصير لبيان مجلس الأمن والسلم الإفريقي رقم 456 الصادر في 12 سبتمبر 2014 الذى دعا الي “الحوار القومي الشامل” بين جميع الأطراف والي عقد اجتماع لجميع المعنيين، حكومة ومعارضة، للإجتماع بمقر الإتحاد الإفريقي بأديس ابابا، تمهيداً للإتفاق حول أجندة وموعد الحوار القومي الشامل ومكان إنعقاده.
بموجب تلك التطورات دعت المعارضة المدنية المكونة من الأحزاب السياسية المعارضة: قوي الأجماع الوطني،حزب الامة القومي، ممثلي المجتمع المدني ، والفصائل التي تحمل السلاح كي تتوحد المعارضة حول موقف سياسي يجمعها هي الآخري، أسوة بما توافقت عليه مجموعة 7+7 المكونة من المؤتمر الوطني والأحزاب الموالية له المسماة ” أحزاب المعارضة” . عقب ذلك انعقد ذلك الاجتماع للمعارضة في اديس ابابا في نهاية نوفمبر/بداية ديسمبر 2014 وتوافق علي ما سمي بـ ” نداء السودان” في 3 ديسمبر، التطورات اللاحقة معروفة حين أدان النظام ذلك النداء ووصفه بالخيانة الوطنية بالتعاون مع ” العدو”، أي الفصائل التي تحمل السلاح، وتقويض الدستور وشن الحرب وبث الارهاب وسط المواطنين!!.. الخ .. ما تبع ذلك أيضاً معروف من إعتقال ومحاكمة خاصة، وسب المشاركين في الاجتماع وتهديدهم بتهم تصل عقوبتها حد الإعدام، الأمر الذي استنكره الشعب السوداني والمجتمع الإقليمي، كما ملأ صحائف وقنوات الإتصال علي صعيد العالم أجمع، الي ان تراجع النظام عن مسرحية المحاكمة الهزيلة التي فضحت هشاشة النظام وعجزه.
تزامن ذلك مع الموعد المحدود من آلية امبيكي للإجتماع التشاورى المقترح في البيان الإفريقى رقم 456 بين الحكومة والمعارضة والذى حدد له بدايات مارس 2015. وصل الي اديس ابابا فريق فصائل المعارضة المدنية والمسلحة، كما وصلها امبيكي وفريقه والمراقبون الدوليون من حكومات ومنظمات مدنية في الموعد المحدد. غير ان الوفد الحكومي تخلف عن الحضور بدعاوى، كما التلميذ الغائب عن الفصل الدراسي، أن الرسالة وصلتهم متأخرة، وانهم مشغولون بالإعداد للإنتخابات، وأنهم لا يعرفون شيئاً عن تمثيل الجهات الآخري المدعوة للإجتماع!! تلك الأسباب الواهية والكاذبة والموقف المفضوح كانت مثاراً للاحباط وإستنكار واسع، خاصة أمبيكي الذي عبر عن خيبة أمله كتابة، مؤكداً أن الحكومة كانت علي علم تام بموعد ومكان والمشاركين في الإجتماع المقترح وسبق لها الموافقة كتابة علي الحضور في المكان والموعد المحددين.
واقع الحال ان النظام الحاكم، بعد ما تصور أن ثمة إنفراجة في علاقاته الإقليمية توقع معها حل ضائقته الإقتصادية، عقب زيارات عديدة الي بعض دول الخليج، ومشاركته بطائرتين أو ثلاث في الحرب علي الحوثيين في اليمن، رأت الحكومة في ذلك مخرجاً محتملاً لأزمتها الإقتصادية المنهارة، وتصاعد وتيرة الأزمات المعيشية، وأنها في غني عن باقي دول العالم، خاصة الغرب، وأن النظام كفيل بالاستمرار في السلطة، ولا سبب او مبرر للحوار الوطني الشامل الذى حتماً سيزيح هيمنة عصابة المؤتمر الوطني عن السلطة والثروة، واحتمالات تهديد المحاسبة عن جرائم الماضى غير الإنسانية والفساد، وعودة سيرة المحكمة الجنائية الدولية، كما حدث مؤخراً في جنوب افريقيا!.
بناء علي كل هذا وذاك، شرعت الحكومة في إجراء الإنتخابات، عقب تعديل الدستور في الايام الآخيرة للمجلس الوطني ليحصن قرارات رئيس الجمهورية، ويمنحه سلطة تعيين وعزل الولاة والقضاة، وجعل جهاز الأمن والمخابرات قوة نظامية عسكرية الي جانب القوات المسلحة والشرطة وقوات الدعم السريع.. الخ. هكذا غير النظام موقفه من الحوار القومي الشامل فأجري الإنتخابات الرئاسية والتشريعية وكون الحكومات المركزية والولائية بمئات الوزراء والولاة والمعتمدين ، جميعهم، دون استثناء، من المؤتمر الوطني وأحزاب مغمورة، ما كانت تحلم يوماً أن تكون في موقع سلطان او جاه أو ثراء وفق طموحاتها القاصرة.
بعد كل هذا، ينبغي أن يسأل المرء عن أى حوار وطني نتحدث؟ سؤال لا تطرحه الصحف اليومية فحسب ، بل يأتي التساؤل من داخل مجموعة 7+7 نفسها. غير أن النظام سادن في غيه ولا حياة لمن تنادي؟! هم في انتظار الرئيس” لتحديد موعد قاطع لانطلاقة الحوار الشامل”، بينما ينعي البعض داخل المجموعه أن الحوار قد مات وشبع موتاً”. نري أن في بعض مما تقدم مشروعية التساؤل عن ما بدأنا به، والذي يطرحه الجميع: من أجل ماذا حضر امبيكي وما هي فرص نجاح سعيه لجمع النظام الحاكم مع المعارضة من أجل ” حوار شامل”، كما يطرح مجلس الامن الإفريقي؟ كما مجلس الأمن الدولي، الإتحاد الأوربي، الولايات المتحدة الأمريكية؟ فوق كل هذا وذاك ماذ يريد الشعب السوداني؟ وماذا يمكن ان يحقق امبيكي؟ أجدني في موقع لا حاجة لي لأعادة صناعة أو دوران العجلة، فالإجابة تقع في باطن السؤال تحت ظل الإنهيار السياسي، الأمني، الإقتصادي، المعيشي والخدمي الذي تعيشه البلاد.
فبالعودة الي ” نداء السودان”، الذى وضعه النظام في مصاف الخيانة العظمي، وباختصار شديد لمن لم يطلع علي ما ورد في تلك الوثيقة، نذكر أن محتوي النداء يخلص في ما يلي:-
أولاً:-الوقف الفوري للنزاعات المسلحة في كل من دارفور وجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان وبناء سلام شامل وعادل، وتوفير الإغاثة العاجلة لضحايا تلك النزاعات من نازحين ومهجرين وجرحي.
ثانياً:-قضايا الازمة المعيشية ووقف الانهيار الإقتصادي والتصدي للفساد ومعالجة الديون الخارجية.
ثالثا:- سيادة حكم القانون وإستقلال القضاء وحقوق الإنسان والاصلاح القانوني بإلغاء القوانين التعسفية كافة واطلاق سراح جميع المعتقلين والمحكومين سياسياً.
رابعاً:- مقاطعة الإنتخابات التي يزمع النظام ابرامها وتحويلها الي عمل جماهيرى معارض.
خامساً:-تشكيل حكومة قومية إنتقالية لانجاز المهام المذكورة والاعداد لنظام الحكم المقبل بما في ذلك الإنتخابات العامة والدستور القومي.
تلك هي محصلة ” نداء السودان” الذى رفضه النظام، ووصفه يالخيانة والتعامل مع العدو، وأتبعه بالمحاكمة المذكورة لاثنين من الموقعين عليه.
كما تقدم، رفض النظام مبدأ التفاوض بناء علي بيان الإتحاد الإفريقي وشرع في الإنتخابات وتكوين مؤسساته الحالية بموجب برنامجه الحقيقي.
فالسؤال إذن ما هي الخطوات التالية وماذا يمكن أن يحقق فريق امبيكي ابان زيارته الآخيرة؟ الصحف الصادرة عقب الزيارة بتاريخ 4 أغسطس 2015 أوردت ان امبيكي قد التقي رئيس الجمهورية الذى أمن علي ” سلامة” سيرة الحوار، الذى كما سبق أن ذكرنا أعلاه قد توقف تماماً. بينما اعلنت الصحف ان مجموعة 7+7، المنسية الذكر، سوف تجتمع مع رئيس الجمهورية في الأيام التالية لزيارة امبيكي، وان تلك الآلية، حسب مصطفي عثمان اسماعيل، رئيس القطاع السياسي، عقب لقاء الرئيس، سوف تعلن عن ” تحديد مدي قاطع لانطلاقة الحوار الشامل بعد ان أصبح متكاملاً باختيار عضوية المؤتمر العام، الشخصيات القومية ورؤساء اللجان والمفوضين الخمسة” وأن الآلية ” ستقدم مقترحات لرئيس الجمهورية تسهم في تحريك جمود الحوار الوطني المجتمعي” ( الأيام 2 أغسطس 2015).
ان كان هناك “جمود” في مسير الحوار، وفق تصريح رئيس القطاع السياسي، فما هي كيفية تحريكه والآليات اللازمة لذلك؟ من أعضاء المؤتمر العام، ومن هم الشخصيات الوطنية المشار اليهم؟ ومن اختارهم وعلي اية أسس؟ وبنفس القدر يتم التساؤل عن رؤساء اللجان؟ والمفوضين الخمسة؟.
هذه الصحوة المفاجئة بعد الجمود الذي يشير اليه رئيس القطاع السياسي، وتكرار تفاؤل بعض أعضاء الآلية، يثير تساؤلات عدة عما اذا كانت تطورات غير معلنة قد حدثت مقرونة بزيارة أمبيكي فما الذي حدث كي يعود امبيكي ليواصل مشواره؟ هل تم أي حوار بين السلطة والمعارضة؟ كما اقتصر الحديث عن “الجبهة الثوريه” بإعتبارها مكونة من المنطقتين؟ أى جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق؟ ماذا عن دارفور؟ هل وافقت الجبهة الثورية علي موقف الحكومة بإعتبار ان دارفور ليست ضمن الحوار المرتقب؟ بل يفرد لها وثيقة إتفاق الدوحة فحسب؟ وماذ عن اطراف المعارضة الآخرى؟ حزب الامة، تحالف قوي الإجماع؟ والمجتمع المدني.
كما تضمنت التصريحات ان موعد الحوار الوطني سيحدد بشكل قاطع عقب لقاء الآلية بالرئيس، مع من تحدد الموعد في المعارضة وبأى من أطرافها؟ وأين سينعقد الحوار بالداخل ام بالخارج؟ وهل وافقت الجبهة الثورية علي الحضور الي الداخل؟ ووفرت لها الامكانات الأمنية اللازمة؟.
أما الأمور التي لا تقل أهمية، ما هي أجندة الحوار؟ صيغة الحكم بعد إنعقاد الإنتخابات الرئاسية والتشريعية القومية والولائية، وتكوين الحكومات المركزية والولائية؟ هذا فيما يخص الترتيبات وتحديد أطراف الحوار. أما الشأن الأكثر أهمية هو أجندة الحوار ومقتضيات السلام وشكل الحكم، أجهزته، الاصلاح القانوني، الخدمة العامة، الفساد، الإصلاح الإقتصادي، المعيشة، العلاقات الخارجية، وغيرها من أمور وردت في ” نداء السودان” وغيره من وثائق المعارضة. هل يتم ذلك في ظل النظام القائم ومؤسساته وسياسته وأجهزته العسكرية والأمنية؟ فما الذي يخضع للحوار وما هو ” الخط الأحمر”؟ كما يرد دوماً في خطاب النظام.
بعد كل هذا ماذا نتوقع من المسكين أمبيكي؟!
أفيدونا افادكم ألله.
أمين مكي مدني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*