الرئيسية / أخبار / فيصل الباقر : قضيّة أحداث بورتسودان : نعم، ماضاع حق وراءه مُطالب

فيصل الباقر : قضيّة أحداث بورتسودان : نعم، ماضاع حق وراءه مُطالب

Sudan voices

بقلم فيصل الباقر

قرار المحكمة الدستورية، الصادر فى 15 أبريل 2015، والقاضى بإلغاء أحكام النيابة العامة، والأمر بفتح دعوى جنائيّة، ضد المتهمين فى الجريمة المعروفة فى القاموس السياسى السودانى بإسم ((مجزرة بورتسودان))، أكّد على صحّة مبدئين، الأوّل ” ما ضاع حق وراءه مُطالب” والثانى ” الحق أبلج والباطل لجلج”، وأعاد فتح نافذة ( الأمل) فى أن تسير القضيّة فى مجراها الطبيعى، بعد أكثر من عشر سنوات، من التمادى فى الصمت على إرتكاب الجريمة النكراء التى نفّذتها فى 29 يناير 2005، قوات حكومية، جُلبت – بليل- من الخرطوم، لتقتل بدمٍ باردٍ، مُواطنين أبرياء خرجوا عُزّلاً من السلاح، فى مسيرة سلمية، للتعبير عن حقّهم الدستورى، فى الإحتجاج السلمى، على ظُلم الدولة، فحصدت آلتها القمعية، بعنف الدولة البوليسية والامنية، أرواح ثلاثة وعشرين نفساً، وجرحت آخرين ، وأصرّت المنظومة العدلية، على المماطلة، والتسويف، وفرض قُبول الأمر الواقع، على ذوى الضحايا، وفق سيناريوهات مُختلفة، على مدى سنوات عجافٍ وطِوال!.
رغم هذا الحُكم القضائى الواضح والصريح ، فإنّ إستجابة الدولة لحكم القضاء، و فتح الطريق للعدالة والإنصاف، مازال موضع شك كبير، وذلك، لطبيعة الدولة الإنقاذيّة، التى ارتكبت قبل وبعد جريمة مجزرة بورتسودان، عشرات الجرائم المُشابهة، تكاد تكون (نسخ/قطع ولصق)، ومن المؤكّد أن يسعى ويقوم (الجُناة ) – وهُم مؤسسة وليسوا أفراد- بمحاولات وإجراءات ومماطلات وتدخُّلات و” دغمسة ” قانونية وغير قانونية، لتعطيل ومُقاومة تنفيذ الأمر الصادر من المحكمة الدستورية، فباب تمتُّع الجناة من الحصانات، مازال فاتحاً على مصاريعه، وإن سمحنا لهذه السانحة القضائيّة، أن تتسرّب من بين أيدينا، دون مواصلة كُل الجهود، لإحقاق العدل والإنصاف، فإنّ الحصاد سيكون مُرّاً، وهُناك سوابق مُوثّقة فى تجاهل أوامر صادرة من المحكمة الدستورية، وقضايا مازالت قابعة فى أضابيرها، وأدراج غيرها من المحاكم السودانية، ينطبق عليها المبدأ العدلى ” العدالة المُتأخّرة، عدالة منقوصة “، وهذا حديث يطول
رغم كُل شىء، فهذه سانحة، لتحيّة الدائرة القضائيّة التى أصدرت هذا الحُكم التاريخى، ولتحية القضاء الواقف، ممثلاً فى كوكبة المحامين الذين، واصلوا جهودهم القانونية، بشجاعةٍ وشرف وصبرعلى المكاره، والتحديات الجسام، حتّى تحقّق بذلهم، بهذا الحُكم، و هناك تحية مُستحقّة، للمنظمات الحقوقية، وللمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وللصحافة الحُرّة ، فى مواصلة الطرق على هذه القضيّة وتركها فى الضوء، طيلة السنوات الماضية، ولمؤتمر البجا، وبخاصّة بعض قياداته التاريخية والحديثة، والشبابية، التى واصلت الإمساك بملف القضيّة، بمبدئيّة وشرف، رُغم الإغراءات الكثيرة التى عُرضت عليهم، فى مُقابل الصمت، وتناسى أو نسيان هذا الملف، وقد تمسّكوا بشعار ” لنتّحد جميعاً، من أجل شهدائنا “، والتجلّة والتقدير – من قبل ومن بعد- لشهداء أحداث بورتسودان، والتحية لأًسر وأهل الضحايا، وللجرحى والناجين من الموت، فقد أكّدوا، ببسالتهم وصمودهم، أنّه ماضاع حق وراءه مُطالب، وأنّ الحق أبلج والباطل لجلج.
وها نحن نُذكّر أنفسنا ونُذكّر الجميع، بأنّ نعض بالنواجز على هذا المكسب، وأن نواصل بحزمٍ وإصرار عنيد، الضغط والمُناصرة، حتّى تكتمل العدالة، فى شقّها الجنائى، بمثول الجناة، أمام القضاء المُنصف والعادل، وتتم مُساءلة الجُناة، فى التنفيذ والتخطيط ، وقفل الطريق أمام تحقيق العدالة، ويتم الإنصاف، بما فى ذلك التعويض العادل، على المستويين، الفردى والجماعى، فى سبيل تحقيق العدالة والتنمية فى الإقليم، وفى كُل بقاع السودان الأخرى، التى بذل شهداء بورتسودان، دمائهم الغالية ، مهراً لها وللحرية والحقوق .
أختم، لأُعبّر عن سعادةٍ شخصيّة إعترتنى، بصدور هذا الحُكم التأريخى، بحكم علاقتى، بهذا الملف، كصحفى وناشط حقوق إنسان، إذ ساهمت – وقتها- من موقعى، مع آخرين وأخريات، فى المنظمة السودانية لمناهضة التعذيب، ومركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة، وصحفيون لحقوق الإنسان ” جهر ” وبمُشاركة ومُساعدة وجسارة نُشطاء حقوقيين فى المنطقة، فى نشر الخبر، مصحوباً بأوّل وثيقة مُصوّرة (صور) لضحايا الأحداث، وهُم فى حضرة الموت البطولى مُسجّين ومًضرّجين بدمائهم الطاهرة الذكية، أُلتقطت – يومها- من داخل مشرحة بورتسودان، رغم المخاطرة الكبيرة التى واجهتنا فى تلك الايّام، فى الحصول على وثائق تفضح الجريمة، وتُبيّن حجم ونوع الجريمة النكراء، و قد واصلنا – مع غيرنا- الإمساك بهذا الملف، وسنواصل السير فى مشاوير وطريق العدالة والإنصاف، ولنضع فى الإعتبار، المقولة الخالدة “خلفنا صُعوبات الجبال، أمامنا صعوبات السُهول”، ولكن كُل من سار على الدرب – بمبدئيّة وشرف- وصل. من هُنا نبدأ، مرّةً أُخرى، فلنواصل المسير، إلى الامام، حتّى إستكمال النصر الكامل، غير المنقوص، على دولة إنتهاكات حقوق الإنسان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*