الرئيسية / أخبار / فضيلي جمّاع : حان لجوبا ان تبتسم رغم الدموع !

فضيلي جمّاع : حان لجوبا ان تبتسم رغم الدموع !

Sudan voices
( رسالة شخصية في شأن عام )

فضيلي جمّاع

إخوتي وأخواتي قادة الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – جوبا

سلاما من القلب

أعترف أنّ بيني وبين جنوب السودان عشقاً خرافياً، أبوح به متى وجدت إلى ذلك سبيلا. أبدأ بأني مواطن سوداني ، كنت وما زلت صديقاً وفياً لثورة جنوب السودان مذ تفجّرت حتى الإنفصال التراجيدي لهذا العضو من جسد الوطن الأم. وأعترف بدءاً أنني لا أستخدم من أدبيات ثقافة الحرب والكراهية كلمات مثل “تمرّد” و”متمرِّد” ، لأنّ أكثر من نصف قرن من حرب المركز على الجنوب كانت كفيلة بأن تحدث مفردات هي أقرب للكراهية منها للاستخدام اللغوي السليم. لذا فقد ظللت استخدم في كتاباتي المتواضعة – كلما تطرقت للشأن الجنوبي– كلمة “ثورة” بدلاً من “تمرد” وكلمة “ثائر” بدلاً من “متمرد”. أعرف أن هذه الكلمات في مدلولها بلغات أخرى لا لبس فيها. فالكلمتان: Rebellion و Rebel في الإنجليزية مثلا لا تحملان بذرة التحقير والكراهية مثلما حملته كلمتا “تمرد” و”متمرد” العربيتين بعد نصف قرن من غسل الدماغ المستمر ، والكراهية التي غرستها أنظمة الخرطوم المتعاقبة في حملاتها الإعلامية بالتزامن مع حرب بشعة وطويلة على مواطني جنوب السودان!

اخترتم يا إخوتنا في الجنوب الاستقلال بدلاً من أن تعيشوا مواطنين من الدرجة الثالثة في بلاد يدعي حاكموها زوراً أن المواطن الجنوبي فيها يعيش بالتساوي في الحقوق والواجبات مع باقي سكان البلاد. بينما يعرف اقل الناس إلماماً بأبجديات الاقتصاد السياسي أنّ واقع الأمر هو العكس. ولو كنت مكانكم لما اخترت غير الذي اخترتم! كنت قد باركت لعدد من أصدقائي الجنوبيين استقلالهم– رغم أنّ دمعة الحسرة تفضحني كلما صحوت على الواقع المرير. فالعالم كله يسعى للتوحد في جسد أكبر بدءا بشبه قارة إسمها الولايات المتحدة الأميريكية مرورا بمعجزة الاتحاد الأوروبي وشعوب الكيان الروسي الضخم وشعوب جمهورية القارة الهندية وانتهاء بالشقيقتين نيجيريا وجنوب افريقيا مثالاً لصحيح المعنى أنّ القوة في التنوّع ، وروعة الحياة في اختلاف الطقوس الثقافية حين تتحاور كلها كمعطيات إنسانية في جو من الإلفة والسلام. نرى كل هذا التوحد الصحي الجميل في العالم حولنا ونعجز عن تحقيقه ، لأن آفة الحكم عندنا منذ الاستقلال هي “الاستعلاء” الأجوف باسم العرق واللون والدين. لذا حق لكم يا أشقائي في الجنوب أن تستقلوا وأن تعيشوا بشراً يحلمون بقيم الحرية والعدل والمساواة.

وليتكم يا من كنتم بالأمس القريب رفاقاً للثائر الأممي الخالد جون قرنق دي مابيور قد وعيتم الدرس وأنتم تنقلون خطوتكم الأولى في وطنكم الحر الجديد لتبنوه وتقتلعوا من كل زاوية فيه جذور الكراهية وصوت الرصاص.. لكنكم بإعلانكم الحرب على ذاتكم اخترتم غير ما كنا نأمل. فقد أصبنا – نحن المتهمون بتعاطفنا معكم – بخيبة أمل لا حدود لها وأنتم تقتتلون فيما بينكم في حرب لا تأكل الأخضر واليابس فحسب ، بل إن آثارها سلبا ستظل ردحاً من الوقت في مجتمع يحاول الخروج من رعويته ليلحق بالعصر الجديد. تعذبنا معكم ، ونحن نتلقى من خصومكم – خصومنا نحن ، أعداء الحياة بمعناها الجميل – نتلقى منهم السخرية تلو السخرية من أنكم يا مواطني ذلك الجزء الذي رفض أن ينفصل في داخلي لا تقدرون على إدارة شأن بيتكم دون الخرطوم.. وهي فرية نحاول الرد عليها بقوة لو لا أنكم بإعلانكم الحرب على أنفسكم قعدتم بنا أن نتسلح بالمنطق والحجة للرد على خصومكم ، خصومنا – أعداء الحياة!

اليوم يحاول جنوب السودان أن يعتذر لنفسه في شجاعة وتسامح عرف بهما إنسان ذلك الجزء من قارتنا العذراء. فقد طالعتنا وكالات الأنباء وشاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي بما نحسبه بادرة تضميد الجرح ووقف النزيف بينكم في حرب كلكم خاسرها منذ انظلاق أول رصاصة حتى اللحظة. تقول الأنباء أنّ مقررات مؤتمر أروشا (في تنزانيا) القاضية بإعادة توحيد صف الحركة قد بدأتم تنزيلها إلى أرض الواقع. وقد رأيت مثل غيري عبر الأخبار المصورة عودة أمين عام الحركة الرفيق فاقان اموم والرفيق دينق ألور كوال وآخرين إلى العاصمة جوبا وكيف احسنت العاصمة الحزينة استقبال ابنائها العائدين إليها من المنفى وعلى رأس المرحبين رأس الدولة الجنرال سلفا كير ميارديت. ليس ذلك فحسب بل إن ما وصلنا من أخبار مؤكدة أن الحركة في طريقها لطي صفحة الحرب وبدء الإنطلاقة التي ينتظرها المواطن الجنوبي المغلوب على أمره لتحقيق حلمه الذي ضحى من أجله طوال نصف قرن من الحروب والويلات. لو صح ذلك – ولا نحسبه إلا صحيحاً – فاعلموا أنّ في عافية جنوب السودان واستقراره عافية لنا نحن الذين ابتلينا هنا بنظام لا يعرف القائمون عليه ومنتسبوه غير لغة التفرقة ونفي الآخر. خبر وقف الحرب العبثية في الجنوب خبر يصفق له كل محبي السلام في العالم ويخافه ويرتعد منه من أولموا وذبحوا الذبائح احتفاء بانفصالكم عن جسد الوطن يوم كان بلداً واحدا.

من ينظر إلى جوبا اليوم يرى ابتسامة حيية على وجهها الجميل – ابتسامة من لم يفقد الأمل بعودة النبض لقلب لم تتوقف دقاته رغم تسارعها ذات يوم حتى كاد يفقد الأمل في البقاء. انتهت حربكم الخاسرة – حرب السلاح والموت المجاني الرخيص.. حرب لا نجد – نحن اصدقاؤكم – ما يدعونا لنتعاطف مع أي طرف منكم فيها. ونكاد نجزم أنكم – وأنتم من اكتوى بنارها- كلكم اصرار على طي صفحتها وفتح صفحة اكثر اشراقا لخلق سودان جديد طالما حلمتم به لأطفالكم . كونوا أكبر الحزن وأعلى صوتاً من دوي المدافع وأرق لبعضكم من خرير ينابيع وأنهار الجنوب ينهض جنوب السودان محلقاً بأجنحة من نور بين أمم العالم المتحضر.

fidajamb@yahoo.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*