الرئيسية / أخبار / اقتصاد السودان واضطرابات المنطقة

اقتصاد السودان واضطرابات المنطقة

Sudan voices
بما أن مشاكل السودان الاقتصادية تُعتبر في جوهرها سياسية بامتياز، فإن حلّها يتطلب تغيرات سياسية في بنية الحكم، والتفاعل مع التطورات الإقليمية والدولية.
احتفظ الرئيس عمر البشير، بالسلطة طوال ربع قرن، في ظل سلسلة اضطرابات تجتاح المنطقة، واستطاع اجتياز تحولات في تحالفات متنوعة ومتعددة، كانت الخرطوم خلالها متقاربة أحياناً مع الولايات المتحدة، وأحياناً أخرى مع أسامة بن لادن وإيران، إلى أن أتاحت له الحرب الدائرة حالياً في اليمن، فرصة ليُظهر للدول الخليجية التي تتمتع بالثروة، أن بإمكانه أن يصبح عنصراً مفيداً في مواجهة النفوذ الإيراني، من خلال تأييده لـ «عاصفة الحزم» بقيادة المملكة العربية السعودية، إلى حدّ المشاركة فيها ضد المقاتلين الحوثيين المدعومين من إيران. وبعد فوزه أخيراً، بفترة رئاسة جديدة مدتها خمس سنوات، حتى عام 2020، وصفه المراقبون بأنه يستطيع أن يسير بالبلاد اقتصادياً وسياسياً في منطقة تتزايد تعقيداتها، حيث يتكيّف معها بسلبياتها وإيجابياتها.
وفي هذا المجال، تبرز أهمية الموقع الاستراتيجي والجيوسياسي للسودان الذي يُعتبر البوابة الشمالية لوسط أفريقيا وجنوبها، ويشترك بحدود مع تسع دول أفريقية هي: مصر وليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديموقراطية(زائير)، وأوغندا وكينيا وإثيوبيا وأريتريا، كما أنه يطل على البحر الأحمر بساحل يبلغ طوله نحو 720 كيلومتراً، وهو من أكبر الدول من حيث المساحة في العالم العربي وأفريقيا، ويحتل المرتبة العاشرة بين بلدان العالم الأكبر مساحة، حيث تقدّر مساحته بأكثر من مليون ميل مربع، بينما يبلغ عدد سكانه 40.2 مليون. ويقع في المنطقة المدارية، ولذلك تتنوّع الأقاليم المناخية السودانية من المناخ الصحراوي إلى المناخ الاستوائي. وقد أدى ذلك إلى تنوّع الثروات الطبيعية التي يزخر بها، الى درجة أن بعضهم يرى أن السودان يعتبر قارة تسكن دولة، وهو ما جعله مطمعاً للدول الغربية التي تريد أن يكون لها نصيب الأسد من تلك الثروات الموجودة، ومن أهمها: الماء والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية، والبترول واليورانيوم والثروة المعدنية.
وعلى رغم أن الدولة تمتلك نحو 200 مليون فدان صالحة للزراعة، أي ما يعادل نحو 45 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي، لم يستثمر سوى 30 مليوناً منها.
ولافت في الأمر، أن السودان يعيش منذ نحو 31 سنة، وتحديداً منذ أيلول (سبتمبر) 1983، في عزلة، بدأتها الولايات المتحدة عقب إعلان الرئيس السوداني السابق جعفر محمد نميري، ما أطلق عليه النظام آنذاك «قوانين الشريعة الإسلامية».
وفي 30 حزيران (يونيو) 1989، زادت وتيرة الحصار بعد قيام ثورة الإنقاذ، ثم زادت مرة أخرى عام 1990، إثر موقف الخرطوم من غزو العراق لدولة الكويت، وقد تضرّر السودانيون نتيجة ذلك، خصوصاً بعد انضمام دول الخليج وبعض الدول الغربية إليه، حيث تراجعت تحويلات السودانيين العاملين في الخارج والتي كانت مقدّرة بنحو ثلاثة بلايين دولار سنوياً.
وفي أيلول (سبتمبر) 2001، وضعت الولايات المتحدة حكومة الخرطوم على قائمة الدول التي يجب محاصرتها اقتصادياً.
وإذا كان النفط هو السبب الرئيس للحصار الاقتصادي، فقد خسر السودان نتيجة تأخر استغلاله لأكثر من 15 عاماً نحو 100 بليون دولار، حتى توّج هذا الحصار بانفصال الجنوب في تموز (يوليو) 2011، وانفصلت معه عائدات نفطية تزيد عن سبعة بلايين دولار سنوياً. وبدلاً من أن يرفع الحصار الاقتصادي، بعد الانفصال، فقد شهد البلد تأجيجاً للصراع في جنوب كردفان والنيل الأزرق، فضلاً عن منطقة دارفور.
وهكذا، دفع السودان ثمناً غالياً لهذا العزل السياسي والاقتصادي، والذي أدى إلى هروب الاستثمارات وتراجع مستوى دخل الفرد وارتفاع نسبة الفقر إلى 46.5 في المئة، وتدهور القطاعات الاقتصادية، وبرزت في مقابل ذلك تجارة السوق السوداء ولا سيما بالعملة الصعبة، ما أفقد الجهاز المصرفي واحداً من أهم مصادره، وساهم في تدهور قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار ونسب التضخّم. وبسبب سيطرة أميركا على المؤسسات المالية الدولية، فقد حُرم السودان من القروض والمنح والهبات، علماً أن الديون المترتّبة عليه بلغت نحو 43 بليون دولار، ولكن اللافت أن أصل الدين يبلغ فقط نحو 15 بليوناً، بينما بقية المبلغ هي الفوائد المترتبة عليه.
وعندما أعلن الرئيس البشير في قمة شرم الشيخ للقادة العرب في أواخر آذار (مارس) الماضي، أن بلاده اتخذت جملة من الإجراءات لتنفيذ «مبادرة الأمن الغذائي العربي» وأكملت جاهزيتها لاستقبال الاستثمار العربي، تنفّس السودانيون الصعداء، وكلهم أمل بالاستفادة من ثروات العرب لدعم اقتصادهم، وزادت آمالهم نحو الخير لبلدهم، مع إعلان رئيسهم دعم «عاصفة الحزم» لمقاتلة الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران.
وجاءت تباشير الخير العربي للسودان من خلال انعقاد الملتقى الاستثماري السوداني – السعودي الثاني في الرياض، الذي أكد زيادة استثمارات السعوديين في السودان والبالغة حالياً أكثر من 13 بليون دولار، وكذلك انعقاد أعمال الملتقى السوداني – الإماراتي في أبو ظبي، والذي ناقش مشاريع استثمارية بنحو 16 بليون دولار، ويبلغ حالياً حجم استثمارات الإمارات في السودان، نحو 6 بلايين دولار.
وأشارت مصادر ديبلوماسية عربية، الى أن الخرطوم إذا التزمت بالتصدّي لما تراه السعودية توسعاً في النفوذ الإيراني، يكون في وسع الرياض أن تعلن نجاحها في إخراج واحد من عدد قليل من حلفاء طهران العرب من فلك ألدّ خصومها. فهل تلتزم الخرطوم بذلك؟ أم ستبقي على توازن بين الجانبين بتأييد الحملة العسكرية في اليمن، وفي الوقت ذاته إبقاء خط اتصال مفتوح على إيران؟
من هنا، يواجه السودان صدقيّته في علاقات سليمة ومتطورة مع شقيقاته الدول العربية ضد توسّع النفوذ الإيراني.

 * *نشر دار الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*