الرئيسية / أخبار / شريف دهب : أنت سوداني فأنت عبد، أنت من غرب السودان وجنوبه فأنت عبد؟

شريف دهب : أنت سوداني فأنت عبد، أنت من غرب السودان وجنوبه فأنت عبد؟

Sudan voices

 بقلم شريف آل ذهب

دارت خلال الأيام الماضية أحداث مؤسفة في الجامعات السودانية على خلفيه صراع سياسي بين روابط طلاب دارفور ومليشيات طلابية تنتمي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم نجم عنها مقتل طالب ينتمي للمؤتمر الوطني وجرح عدد من طلاب دارفور جراح خطرة بالسكاكين والسواطير والسيخ وما شابهها، وقد صاحبت هذه الأحداث حملة عنصرية شعواء بغيضة من الطلاب المنتسبين لحزب المؤتمر الوطني ضد طلاب دارفور تمثلت في نعتهم بالعبيد وما شابهها من العبارات العنصرية المقيتة. هذا السلوك المشين من منتسبي المؤتمر الوطني يحملنا للتساؤل عن منشأ هذا الفهم المغلوط هل هو وليد لحظته أم له جذور راسخة داخل المجتمع السوداني سرعان ما تكشفها عوامل التعرية كلما هبت عواصف هوجاء بسماء الوطن؟
للإجابة على هذا التساؤل دعونا ندلف قليلا لمفهوم العنصرية ومنشأها ونماذج من صورها ومن ثم نعود للإشكال السوداني وتداعياته علي مستقبل العيش المشترك بين مكوناته. فالعنصرية يمكن تعريفها بأنه التمييز على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الديانة أو المذهب الفقهي واعتقاد فرد أو جماعة بأفضليتها عن أخرى بهذه العوامل السابقة. أما مبتدأ هذا الداء فيعود لبداية خلق الكون يوم تكبر إبليس عن السجود ل آدم أبو البشرية بحجة أنه خير منه (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) وبموجبه استحق اللعنة وبقيت معها العداوة التاريخية بين الثقلين إلي يوم الدين، ثم انتقل الأمر إلي بني آدم انفسهم مع زيادة عددهم وتفرعهم إلي شعوب وقبائل وهو أمر مخالف لمقاصد الخالق من هذا التنوع الذى هو التسابق على الخير وليس العكس (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير).
وتاريخيا نجد العنصرية قد تبدت بصور عديدة بين المجتمعات والشعوب نجمت عنها أشكال مختلفة من أنماط الاضطهاد، ففي قصص التاريخ نجد أن فرعون مصر قد اضطهد بني إسرائيل وسامهم سوء العذاب يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم (تطهير عرقي) بسبب الدين، وصورة أخرى نجدها عند اليهود أنفسهم مع العرب، فرغم انحدارهم جميعا من نسل إبراهيم الخليل عليه السلام إلا آن اليهود ظلوا يحتقرون العرب بفهم إنهم أبناء (أمة) وهي السيدة هاجر أم إسماعيل عليهما السلام واعتبروهم أميين يستحق أكل أموالهم (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) وقد استمر ذلك المعتقد إلي يومنا هذا وعلى أساسها تمكنت دولة إسرائيل الصغيرة من كسر إرادة العرب مجتمعين وفرض نفوذها عليهم إلي هذا اليوم.
ونموذج آخر جسده العرب فيما بينهم، بين البدو والحضر والفخوذ الكبيرة والصغيرة وعلى أساسها قامت الحروب البينية، وقد لخصها شاعرهم عمر بن كلثوم في هذا البيت من معلقته الشهيرة (ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا)، مع ملاحظة أن مفهوم الرق والاسترقاق لدى العرب لم يكن يقتصر على ذوي البشرة السوداء فحسب بل ينطبق على جميع أسرى الحرب بمن فيهم أبناء القبائل العربية أنفسهم حيث يتم بيعهم في أسواق النخاسة أو إهداءهم لسادة القوم وهكذا، وعلى اساس ذلك تأسس مفهوم الأمة والجواري (ملك اليمين) إلي أن أتى الإسلام وعمل على إنهائه تدريجيا حيث جعل إحدى وسائل الكفارة (فك رقبة) آي عتقها كلنا يعلم بالمقولة التاريخية للخلفية الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ورغم ذلك بقيت هذه الفكرة في أذهان العرب إلي يومنا هذا وبقي كل ذو بشرة سوداء عندهم (عبد) وإلي يومنا هذا الخليجيون يعتبرون السودانيين عبيدا على هويتهم (أنت سوداني فأنت عبد).
ثم نموذج رابع بين العرب والعجم وعلى أساسها قامت الحروب ديها بنات ونموذج خامس بين البيض والسود جسدها حملات الاسترقاق ألتي قام بها البيض ضد السود في عهود الاستعمار وما تولد عنها من حركات مقاومة للتحرر لم تقتصر على إفريقيا فحسب بل امتدت إلي الغرب حيث تم تصدير عدد من الأفارقة للعمل هناك ما لبثوا أن شكلوا مجموعات مقاومة أثمرت أخيرا بإنهاء ذلك التمييز “على الأقل في مستوى دساتير الدول وقوانينها”.
وبالعودة للسودان فجذور العنصرية فيها ترتبط بالتركيبة الاثنية والقبلية لسكان هذة البلاد الذين يتشكلون من افريقية مستوطنة تقطن غالبها في جنوبي البلاد وغربي وعرب مهاجرون جاءوا آمآ راء الماء والكلأ بفعل عوامل الجدب والقحط في الجزيرة العربية او هروبا من قبائل كبرى كآنت تضطهدهم وقد دخلوا البلاد من منافذ شتى استقر بعضهم على ضفاف النيل والسهول المجاورة لها في الشمال والوسط وفي خلفيتهم “الذهنية” ذلك الفهم المغلوط الذي يربط الزنجية بالعبودية “فكل أسود هو عبد” وقد استمر هذا الفهم مع تطور الدولة السودانية وحدوث تزاوج بين المكونات العربية المهاجرة وبقية السكان المحليين من النوبيين أصحاب الأرض الذين لم يلبثوا آن تأثروا بتلك المفاهيم الخاطئة ديها بنات لينسحب الأمر في نهاية المطاف إلي شكل العلاقة بين شعوب البلاد أنتجت حآلة من عدم الانسجام التاريخي نجم عنه تصنيف جهوي تم التعارف عليه بمفهوم (الغرابة والجلابة أو (المندوكرو) لدى أهلنا في جنوب الوطن) وقد وفرت تعرض البلاد للاستعمار سانحة لهذه الشعوب جمعاء كي تعيد اللحمة فيمآ بينها من خلال، قتالهم صفا واحدا لتحرير أرضهم كمآ وفرت لهم مساحة أوسع كي يتعرفوا على بعضهم البعض بشكل أفضل ما لبثت آن تعمقت الصلات وتوثقت أكثر تحت راية المهدية تخللها زيجات متبادلة وهجرات متبادلة ومعها بدأت تتشكل معالم الدولة الوطنية الحديثة.
ثم أتت حملات الزبير باشا في مجال تجارة الرقيق بالتعاون مع المستعمر لتهز العلاقات مجددا لكن الأمور مضت إلي حالها .
ومع الاستقلال وخروج المستعمر تعرضت العلاقات لهزة أخرى اكبر سببها إقصاء أبناء الهامش عن تولي وظائف في الدولة، وإذا أخذنا دارفور مثلا فمن بين ثمانمائة وظيفة مدنية تمت سودنتها لم يكن لأهل دارفور نصيبا واحدا فيها فكان ذلك مثارا لتذمرهم ومن هنا تبلورت فكرة الهامش والمركز حيث لم تلبث أن تولدت تنظيمات سياسية مطلبية مثل جبهة نهضة دارفور واتحاد عام ابناء جبال النوبة واتحاد عام أبناء الانقسنا وتنظيم البجا بجانب حركة الانانا في الجنوب ولكن الحكمة تغلبت على الجميع لتدار الأمور في إطار الخلاف الداخلي تحت راية الوطن الموحد ولم يكن الانفصال خيارا لأي من أجزاء الهامش بما في ذلك الجنوب الذي لجأ أبناؤه للخيار المسلح باكرا لكن بحثا عن وطن موحد يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات. وقد شكل وجود الأحزاب السياسية بمختلف مشاربها وتوجهاتها كأوعية للممارسة السياسية في البلاد ضمانة كبرى للوحدة الوطنية.
وبمجئ نظام الإنقاذ في 1989 م وحظرها للأحزاب السياسية والنقابات ونهجها سياسة استقطاب الموالين على أساس القبيلة والجهة فيما عرفت ب (البيعة الجماعية) عادت ظاهرة العنصرية لتطل مجددا بأبشع وأقبح صورها حيث أضحت ضمن استراتيجيات النظام الحاكم لتحقيق مآربها الرخيصة في إطالة أمد البقاء في السلطة لأطول فترة زمنية ممكنة، وهذا الحديث ليس من باب المناكفة السياسية بل هو واقع معاش يؤكده راهن البلاد ويسنده اعترافات صريحة من رموز نافذة في الحزب الحاكم أكدوا على هذه الحقيقة.
إذا طلاب المؤتمر الوطني حينما يطلقون هذه النعوت العنصرية البغيضة تجاه طلاب دارفور بمجاميعهم فهم ينفذون سياسة حزبهم في هذا الاتجاه لتحقيق عدة أهداف، أهمها تحويل مسار النزاع السياسي في البلاد إلي عرقي جهوي بإظهاره كأنه بين (الجلابة والغرابة) أسوة بما فعلوه في دارفور (عرب وزرقة ) وبالتالي استمالة كل أبناء الشمال أو تحييدهم في اقل تقدير لا سيما عقب صفعة الانتخابات الأخيرة التي وجهها لهم مجاميع الشعب السوداني الباسل. ومن جانب آخر يرمون إلي شق صفوف المعارضة بعد توحدها في إطار نداء السودان وذلك بدفع أبناء دارفور للمطالبة بالانفصال بما يعني تلقائيا انتهاء الحلف السياسي بينها والمكونات الأخرى. وقد خاب فألهم وطاشت سهامهم فالشعب السوداني وقواه الحية كآنت اوعى منهم وبخططهم الخبيثة الهدامة تجاه تشتيت شمل البلاد وأبنائه فتداعوا جميعا صفا واحدا ضد مخططهم ليئدوه في مهده وهذآ ما يبعث في نفوسنا الأمل نحو مستقبل أفضل لبلادنا عقب التخلص من هذة العصابة المجرمة الماكرة.
وختاما إذا اتفقنا وفق ما ذكرت في مقدمة هذا المقال بأن صاحب براعة اختراع العنصرية هو إبليس اللعين فإن منتسبي حزب المؤتمر الوطني في السودان هم أخلص الناس وأقربهم لمعلمهم إبليس في هذا الصدد، بل فاقوه في كثير من الفعال حتى اضطر للهجرة من السودان هو وأبنائه وعائلته بعد إحالته للصالح العام و تنصيب مجموعة المؤتمر الوطني مكانه ليتولوا مهامه على أكمل وجه كما اثبت ذلك الأستاذ أحمد الحسكنيت في مقاله الشهير (إبليس يهاجر من السودان).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*