الرئيسية / أخبار / عبدالباري عطوان : فشل البشير

عبدالباري عطوان : فشل البشير

Sudan voices

من المفترض أن السودان يعيش حاليا «عرسا انتخابيا» يبلغ ذروته الاثنين مع بدء التصويت في الانتخابات العامة التي تقاطعها أغلب الأحزاب الرئيسية في البلاد، ويشارك فيها 44 حزباً سعيا الى الفوز بمنصب الرئاسة، ومقاعد المجلس التشريعي القومي والمجالس التشريعية في الولايات.

وحسب المفوضية القومية للانتخابات فان عدد المرشحين للدوائر القومية «احزابا ومستقلين « بلغ (1072 ) مرشحا و(2235) مرشحا للمجالس الولائية ، الى جانب مرشحي الرئاسة البالغ عددهم 16 مرشحا.
إلا أن ثمة «صمتا رهيبا» يسود البلاد، وكأن الانتخابات تجري «سرا او قهرا او كليهما معا»، فيما لا تعرف الأغلبية الساحقة من الناخبين مرشحا للرئاسة سوى الرئيس عمر البشير.

ولم يتردد البشير امس في اصدار «رد حازم» على بيان اوروبي شكك في نزاهة الانتخابات، واعتبر ان نتيجتها ستكون «غير شرعية». واعتبر في رده «ان الشعب السوداني وحده يملك الحق في تقييم الانتخابات». الا ان الشعب ومعه أحزاب رئيسية أصدروا حكمهم بالفعل على الانتخابات قبل ان تبدأ، اذ قرروا المقاطعة في مواجهة ما يبدو كمسرحية جديدة لتمديد حكمه.
واذا كان البشير يحترم «تقييم الشعب االسوداني حقا لنظامه»، لكان استمع الى شعار «ارحل» الذي رفعته التظاهرات الواسعة في ايلول/سبتمبر العام 2013 بعد قرار الحكومة برفع الدعم عن البترول، وواجهتها الأجهزة الأمنية بالقمع ما أدى إلى مقتل العشرات.

إلا أن البشير أعلن في مراوغة سياسية جديدة عن نيته البدء في «حوار وطني» مع المعارضة للبحث في مشاكل البلاد. ثم اصر على ترشحه لولاية رئاسية جديدة بعدما كان نفى ذلك في السابق، ما ادى الى تصاعد الانتقادات ضده مجددا. وما زال بعض المعارضين يرفعون شعار «ارحل» باعتباره الحل الوحيد ليخرج السودان من مسلسل الكوارث الذي عرفه تحت حكم البشير.

وفي غياب اي ضمانات للنزاهة او رقابة محايدة، قليلون يشكون في ان البشير سيحقق «فوزا ساحقا جديدا»، تماما كما فعل في الماضي. وهو امر لم يتغير طوال ربع قرن، حتى بعد ان تسبب البشير في انفصال جنوب السودان، وما صاحبه من تقطع لأوصال البلاد، إثر المعارك في دارفور التي قتل فيها وحدها اكثر من 300 الف شخص وشرد أكثر من مليونين آخرين، وفق الامم المتحدة، ثم في ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق.

وربما يستحق البشير ان يدخل كتاب غينيس عن جدارة باعتبار انه الرئيس الوحيد الذي تمكن من الاحتفاظ بكرسيه، بعد أن تسبب في تفتت بلاده، بعد حروب أودت بمئات الآلاف، كما نجح في الصمود امام اتهامات من المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، ثم تمكن من احتواء الأعباء الكارثية لانفصال الجنوب على الاقتصاد اذ خسر حوالى 75 في المئة من احتياطاته النفطية، ناهيك عن انه نجح في قمع «الربيع السوداني» فيما اطاح «الربيع العربي» أنظمة عتيدة في الشرق الاوسط.

ولا يستطيع المراقب الا أن يسأل: بماذا يمكن ان يعد البشير السبعيني حقا السودانيين وهو يدخل هذه الانتخابات؟ هل يعدهم بأن يحقق ما فشل فيه طوال ربع قرن؟ ام يعدهم بكوارث اقل مما عانوه تحت حكمه؟ وماذا يريد البشير من السودان بعد كل هذا التاريخ من الجرائم بحق شعبه؟ وماذا يجب ان يحدث في السودان او الاقليم ليدرك البشير أنه حان الوقت ليترك هذا البلد الغني بموارده الطبيعية الهائلة وشعبه الطيب ليتنفس قليلا من الحرية؟ الواقع ان البشير، الذي لا يكف عن الرقص بعصاه فوق ما بقي من السودان، استعاد دورا اقليميا مؤخرا بعد نجاح وساطته في ملف سد النهضة الاثيوبي، ثم مشاركته في «عاصفة الحزم» في اليمن، ما يعني انه يملك من الاسباب ما يجعله يأمل في البقاء في منصبه حتى اشعار آخر.

انه نموذج «تاريخي» آخر لانظمة الحكم الديكتاتورية، التي تستغل الدين لاضطهاد شعوبها، واغتصاب السلطة والتشبث بها بأي ثمن، حتى إذا كان ذلك يعني دمار البلاد وتفتيتها وانتشار الحروب الأهلية والمجازر فيها.
فهل ستكون الانتخابات بداية جديدة للبشير ونظامه حقا؟ أم تراها «بداية النهاية».

 القدس
عبدالباري عطوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*