الرئيسية / أخبار / كمال الجزولي : عَلِي عُثْمَانْ وَالحِقْدُ الطَّبَقِي فِي السُّودَان! ..

كمال الجزولي : عَلِي عُثْمَانْ وَالحِقْدُ الطَّبَقِي فِي السُّودَان! ..

Sudan voices

(وَرَقَةٌ مِنْ رُوزنَامَةٍ قَدِيمَة)
(1)
طرافة لا مسبوقة، ولا معهودة، تلك التي وسمت “دعوة” علي عثمان محمد طه، قبل سبع سنوات، لـ “استئصال الحقد الطبقي من السُّودان!” (الأحداث، 14 يونيو 2008م). مصدر الطرافة التي حدت بنا لتناولها، آنئذٍ، في روزنامة 14 يوليو 2008م، والتي أعادنا إليها، الآن، هذا التَّردِّي المتسارع، من يوم إلى يوم، في راهن الأحوال المعيشيَّة للسَّواد الأعظم من النَّاس، أن “الدَّعوة” كانت قد انطلقت من على منبر الجَّلسة الختاميَّة للمؤتمر العام الثَّاني، آنذاك، لحزب المؤتمر الوطني الحاكم بولاية الخرطوم (الواجهة السِّياسيَّة للحركة الإسلاميَّة)، وأن “الدَّاعي” هو أحد أئمَّة الصَّف الأوَّل لحركة الإسلام السِّياسي في البلاد وفي المنطقة، وكان يشغل، فوق ذلك، منصب الرَّجل الثاني، وقتها، في الحزب وفي الدَّولة، وأن توقيت “دعوته” سبق، بأسبوعين فقط، احتفالهم بـ “العيد” التَّاسع عشر لانقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م الذي سحقوا به تجربة الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة، فبدَّدوا، ضمن ما بدَّدوا، آمال الملايين من البسطاء في السَّلام والتَّنمية، فاتحين سماوات اقتصادنا، من أقصاها إلى أقصاها، أمام جراد الطفيليَّة الذي لا حدَّ لشراهته، في السُّوق، كما في الخدمة المدنيَّة، وغيرهما!
مع ذلك هُرعنا، يومها، للتَّأمين على أنه لا بأس أن يطلق الرَّجل “دعوته” تلك، من أعلى منابر حزبه، إذ لا بُدَّ قد اتَّفق له النَّظر، ربَّما بالمصادفة، وربَّما خلال أحد طوافاته الحزبيَّة ببعض الأقاليم، أثناء التَّحضير للمؤتمر، في سحنات مغايرة لما اعتاد ألا يرى سواها على مدار السَّاعة، في ردهات القصر، في قاعات الحزب، في أبهاء مؤسَّسات الحكم، بين طنافس ملتقيات علية القوم، وسط مخمل من لم يعودوا يعرفون من الفقر إلا اسمه، ولا يتصوَّرون للفاقة أو الكَبَد معنىً محدَّداً، فهاله مرأى الوجوه الشَّاحبة، والعيون الغائرة، والشفاه المطبقة في غلظة، والأسنان المصطكَّة في قسوة، وتجاعيد الغضب المحفورة في الملامح، وأخاديد الأسى المرسومة على الجِّباه، فلاحظ ما لم يكن قد لاحظ من قبل، كون “الحقد الطبقي” قد استشرى في السُّودان .. إلى هذا الحد!
إحسان الظنِّ بتلك “الانتباهة” استوجب التَّغلغُل العميق في أغوار دلالاتها، والدَّفع الحثيث باتِّجاه أقصى مراميها، وأوَّل ذلك، بطبيعة الحال، مناصحة صاحبها بصدق، من خلال مشاركته بإخلاص في الانشغال بهذا الأمر المعقَّد، حيث أن مثل هذا “الحقد”، في حقيقته، هو خليط من عمليَّات ذهنيَّة وعصبيَّة يتداخل فيها الوعي، واللاوعي، والمشاعر، والأمزجة الجَّمعيَّة، وتنشأ، وتنمو، وتتشكَّل، في العادة، على مدى زمني طويل نسبياً، لتنتمي، في النهاية، إلى مكوِّنات “البنية الفوقيَّة superstructure”، فلا يمكن، من ثمَّ، استئصال هذا “الحقد”، أو كشطه، أو شطبه بمحض التَّعليمات، أو التَّوجيهات، أو حتَّى المواعظ، من شاكلة ما بذل علي عثمان .. وليت الأمر كان ميسوراً على هذا النَّحو!

(2)
وإذن، فقد اقتضانا الذِّهاب بتلك المناصحة إلى غاياتها النِّهائيَّة أن نقرِّر، باستقامة، أن الطريق الوحيد المفضي إلى هذا “الاستئصال”، إنَّما يبدأ بإدارة الظهر لـ “اقتصاد السُّوق” الذي جعل من بلادنا، وهي، بعد، في مرحلة ما قبل الاستعمار، بل حتَّى في مرحلة ما قبل الرَّأسماليَّة ذاتها، محض “مقطورة!” ملحقة باستراتيجيَّات رأس المال العالمي! فبدون إدارة الظهر لهذا النَّهج الذي يبدأ من تلك المحطة التَّاريخيَّة القديمة لن يتهيَّأ لنا مخرج من ورطة “مصدر الخام وسوق التوزيع” الملعونة، والتي أوحلتنا فيها المعادلة الإمبرياليَّة المشؤومة لتقسـيم العمـل العالمـي، حيث حُشرت شعوبنا، حشراً، بآليَّات الاستعمار القديم، في زمرة مَن لا يملكون، أولئك الذين لطالما أشار إليهم اللون القرمزي على مساحات شاسعة مِن خرائط ذلك الزَّمان، إزاء قلة من ضواري العالم هم وحدهم مَن يملكون! ثم ما لبثت هذه الشُّعوب أن فُرض عليها، بآليَّات الاستعمار الجَّديد، وفي أثر استقلال سياسي شكلي، الخضوع لعلاقات إنتاج يواصل من خلالها كومبرادور الأمس استثمار الفتات الذي ظل المتروبول يرمي به إليه من تحت الموائد، لقاء وكالته عنه، وسمسرته لصالحه، في السُّوق الدَّاخلي، وذلك باستكماله، خصوصاً في عقابيل انقلاب 1989م، ولادة ابنه غير الشَّرعي، طفيل النُّخبة الإسلامويَّة الذي نصَّب نفسه قائداً لأقسام الرأسماليَّة، أجمعها، في بلادنا، والذي عكف، بكليَّاته، على حلب مقدرات البلاد، حلباً، وتحويلها إلى عقاراتٍ، وسيَّاراتٍ، وزيجاتٍ، ومنتجعات، وعملات مِمَّا يشتهون، يضاربون فيها ليل نهار، ويسرِّبونها، أحياناً، إلى مختلف مصارف العالم، ويستجلبونها، أحياناً أخرى، لغسل أموال عابرة للحدود، بينما منتجو الخيرات الحقيقيون مبعدون alienated عن ثمار إنتاجهم، إذ ليس لهم فيه شروى نقير! فكيف، إذن، لا يستشري “الحقد الطبقي” من فوق “واقع اقتصادي” كهذا، ومن بين “علاقات اجتماعيَّة” كهذه؟!

(3)
لا شكَّ أن من شأن هذا الأسلوب السَّديد في التَّفكير، إن نحن تتبَّعناه بجدِّيَّة وهمَّة عالية، أن يفضي إلى العمل لإكساب بنية بلادنا الاقتصاديَّة تناسقها وتكاملها المرغوب فيهما، ضمن سوق وطنيَّة موحَّدة، بما يفي، من جهة، بالشُّروط الضَّروريَّة لاستقلالنا الاقتصادي، وإقامة علاقاته الخارجيَّة علي صراط من النديَّة والتكافؤ؛ وبما يحقِّق، من جهة أخرى، أهداف التَّنمية الدِّيموقراطيَّة الرَّامية لإحداث التحوُّلات الهيكليَّة في اقتصادنا الوطني، وتزويده بقوَّة دفعه الذَّاتيَّة، وتوسيع قاعدته وتنويعها، وتعميق تقسيم العمل الاجتماعي داخله، وتوطين استخدام التكنولوجيا الحديثة كأهمِّ روافع إنتاجيَّته، وأبرز عناصر الاستغلال الفعال لموارده، وجعل القطاعات المستندة إلى هذه التكنولوجيا الحديثة، والمولدة لحوافز إنتاجها، بمثابة القطاعات الأكثر تحديداً لوجهة تطورنا الاقتصادي.
(4)
على أن إنجاز أيِّ شئ مِن ذلك لا يبدو ممكناً، إن لم يكن مستحيلاً تماماً، بدون استرداد ما تمَّت خصخصته من مداميك قطاع الدَّولة الذي تمَّ تفكيكه، للأسف، خلال العقدين الماضيين، وتحويل ملكيَّته لرأس المال الخاص، المحلي والأجنبي. هذا هو الشَّرط الأولي لتحقيق أبسط أشكال “العدالة الاجتماعيَّة” التي يُرجى منها “تخفيف” تمظهرات “الحقد الطبقي”، في المديين القريب والمتوسِّط، تمهيداً لـ “استئصاله”، نهائيَّاً، في المدى البعيد. فـ “الحقد الطبقي” ليس هواية، وليس اختياراً قصديَّاً، إنَّما هو انعكاس “معنوي” يقع، ضربة لازب، في “وعي” الأغلبيَّة، وهي “الطبقات” الشَّعبيَّة المنتجة، حين لا يعود عليها كدحها بغير الفقر، والإدقاع، وبؤس الحياة، مقارنة برفاه الأقليَّة، وهي “الطبقات” الاستغلاليَّة، خصوصاً “الفئات” و”الشَّرائح” الطفيليَّة، المستغرقة، بنهم وجشع، في كنز الأموال، واحتكار الثَّروات، وكلِّ عمليَّات النَّهب المنهجيَّة التي حفرت، وما تزال تحفر، هُوَّة الأوضاع الاقتصاديَّة والمعيشيَّة الفاغرة، والآخذة في الاتِّساع، يوماً عن يوم، بين من يملكون ومن لا يملكون haves and have – nots.
الحيلولة دون تبلور هذا الواقع البئيس، وما يترتَّب عليه من انعكاس في “الوعي” الجَّماهيري، أمر مستحيل، يقيناً، إلا بالعمل، قبل أيِّ شئ آخر، على تغيير الأساس “المادِّي” الذي يجعله ممكناً، بل محتوماً، وذلك بـ “استئصال” شأفة “النَّهب” الاقتصادي، و”الظلم” الاجتماعي، وإرساء قاعدة الملكيَّة العامَّة والتعاونيَّة لوسائل الإنتاج؛ واستعادة الدَّولة لدورها في الإنتاج، والتوزيع المباشر للسِّلع والخدمات؛ مع تحديد نسبة عادلة بين الحدَّين الأعلى والأدنى للمرتَّبات والأجور؛ وسنِّ التَّشريعات الصَّارمة لمحاربة الفساد؛ واتخاذ الإجراءات الحازمة لإلزام الموظفين العموميين، وبالأخصِّ شاغلي المناصب الدُّستوريَّة، بالامتناع عن الدُّخول في أعمال السُّوق، سواء بالممارسة المباشرة، أو عن طريق ذويهم من الدَّرجة الأولى، أو بإبرام أيَّة شراكات محليَّة أو عالميَّة؛ وإلى ذلك إصدار قوانين للاستثمار من شأنها تشجيع القطاع الخاص على الإسهام في تنفيذ مشاريع التَّنمية المتوازنة، القائمة على التَّكامل، وقوميَّة الموارد، وإزالة التَّفاوت، والاستناد إلى التَّمويل “الدَّاخلي”، بإعادة تدوير العائدات في الصِّناعة، والزِّراعة، والصَّحَّة، والتَّعليم، والإسكان، وما إليه، دونما استبعاد للتَّمويل “الخارجي”، طالما كان مبرَّأً من الشُّروط المجحفة أو المشبوهة.
خطة كهذي من شأنها توفير الفوائض اللازمة للتَّنمية، بدلاً من حرف الدَّولة عن دور “الرِّعاية” إلى محض جهاز “ريعي” منكفئ على “الجِّباية”. ثمَّ لا بُدَّ من مراقبة استثمار هذه الفوائض بما يحقِّق محتواها الاجتماعي المطلوب، بدلاً من إخضاعها لخدمة النَّشاط الطفيلي، كما يحدث الآن، حيث يجري تسريبها إلى خارج البلاد، أو تبديدها على الاستهلاك التَّفاخري، أو الصَّرف الحكومي البذخي، أو الإنفاق بسخاء غير محدود على أجهزة القمع والإدارة، حتى أضحت ميزانيَّاتها تقضم، الآن، ما يناهز ثلاثة أرباع الميزانيَّة العامَّة! ولا بُدَّ، إلى ذلك، من علاقات إنتاج عادلة، وخفض الإنفاق الحربي، وإتاحة أوسع الفرص لمبادرات الجَّماهير، وإلهاب حماسها للتَّضحية، وزيادة التَّراكم، ومشاركتها الدِّيموقراطيَّة في اتخاذ القرار السِّياسي والاقتصادي، وما إليه.
من يتبنَّون تأسيس مثل هذه الخطة على مبادئ “الإسلام”، بالذَّات، لا يمكن، بطبيعة الحال، أن يغفلوا عن الإعلاء القرآني من قيمة “الإنفاق” في سبيل الله، وعن مساواته، في مرتبة “الهداية” و”التَّقوى”، بالصَّلاة، بل وبالإيمان ذاته “الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (1 ـ 2 ـ 3 ؛ البقرة)، وذمَّه، في نفس الوقت، للاكتناز، وتحذيره للكانزين “والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّـةَ وَلا يُنْفِقُـونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمْ، يَوْمَ يُحمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّم فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وجُنُوبُهُمْ وظهُورُهُـم هَذَا مَا كَـنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُـمْ فَذُوقُـوا مَا كُـنْتُمْ تَكْـنِزُونْ” (34 ـ 35 ؛ التَّوبة)، كما ويستحيل، أيضاً، أن يتماهى أصحاب هذه الخطة، على صعيد المواريث الشَّعبيَّة السَّالبة، مع تربية وتعليم وثقافة “الهبرو ملو”، أو “إن سرقتَ أسرق جمل” .. الخ!

(5)
على أن ثمَّة أمراً واحداً، فقط، يحتاج علي عثمان أن يتحقق منه، ابتداءً، قبل أن “يتورَّط” في طرح “استئصال الحقد الطبقي” كخطة قابلة للتَّنفيذ، إن كان ما يزال باقياً عليها، وإلا اعتُبر كلُّ هذا الطرح محض “طق حنك” لا طائل من ورائه! ذلكم هو مدى ثقته في استعداده شخصيَّاً، واستعداد حزبه، ونخبته الحاكمة، والقوى الاجتماعيَّة الداعمة لنظامه، والمستفيدة منه، للقبول، أصلاً، بمثل هذه الخطة الراديكاليَّة بطبيعتها!
***

kgizouli@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*