الرئيسية / أخبار / كمال الجزولي : ما الذي حفِظَتْ بِنْسُودا؟!

كمال الجزولي : ما الذي حفِظَتْ بِنْسُودا؟!

Sudan voices

كمال الجزولي
(1)
جرياً على نهج النظام السُّوداني في عدائه الشَّديد لـ “المحكمة” الجنائيَّة الدَّوليَّة”، منذ اتهامها لأربعة من مسؤوليه، وعلى رأسهم البشير، أعلن الفاضل سليمان، الأمين “العدلي” للحزب الحاكم، عن جحْده، مؤخَّراً، لطبيعتها “القانونيَّة”، معبِّراً عن فكرة شديدة الغموض حول العلاقة الجَّدليَّة بين “القانون”، شاملاً “الدَّولي”، وبالأخص “الجَّنائي الدَّولي”، وبين “السِّياسة”، حيث قرَّر، باستهانة تامَّة، أن هذه “المحكمة” كيان “مسيَّس” بالكامل (قناة بي بي سي العربيَّة، مساء 15 ديسمبر 2014م).
لم يكتفِ مسؤول “المؤتمر الوطني” بهذا الإعلان، بل واصل إفشاء ذلك الوعي القديم الزَّائف، السَّائد داخل مؤسَّسة الحكم، والقائل بأن هذه “المحكمة” إنَّما تخوض، من خلال قضيَّة دارفور، “خصومة” سياسيَّة سافرة مع السُّودان “تُقرأ: مع النظام”!
فإذا كان من يتبنَّى ويُروِّج لمثل هذا التَّصوُّر المقلوب هو الذِّراع “المتخصِّص” في الشُّؤون “العدليَّة” داخل الحزب الحاكم، فلا تثريب، إذن، على البشير، رئيس الحزب والجُّمهوريَّة، أن يعلن، في احتفال خاصٍّ، “انتصاره” على الآي سي سي، و”هزيمتها” أمامه، بـ “تخليها”، و”رفع يدها” تماماً عن قضيَّته (رويترز؛ 13 ديسمبر 2014م).
(2)
مناسبة حديث الرَّئيس ومسؤوله “العدلي” هو القرار الذي أثار، وما زال يثير أوسع ردود الأفعال، مذ أعلنته فاتو بنسودا، المدعية العامَّة للآي سي سي، عبر تقريرها نصف السَّنويِّ رقم/20 أمام مجلس الأمن، حول ملف دارفور، بتاريخ 12 ديسمبر 2014م، بما يُفهم منه احتجاجها على عدم تحرُّك المجلس للقبض على المتهمين في القضايا “السَّابقة” في الإقليم الآخذ في التَّدهور، والذي ما تنفكُّ تمزِّقه الحرب، الأمر الذي لم يترك أمامها من خيار، على حدِّ تعبيرها، سوى التوقف عن إجراء “المزيد” من التحقيقات فيه، وتحويل موارد مكتبها المحدودة إلى قضايا أخرى، معربة، بلهجة عاطفيَّة، عن شعورها بالإحباط إزاء ما وصفته بافتقار المجلس للرؤية الاستراتيجيَّة الثاقبة، ومشيرة إلى أنها ظلت تكرِّر نفس الكلام في كلِّ تقاريرها الدَّوريَّة أمام المجلس، مِمَّا لا ترى أن ثمَّة جدوى من ورائه (وكالات وقنوات وصحف).
في إثر ذلك انفجر الإعلام والصَّحافة، داخل وخارج البلاد، بتحليلات معظمها “سياسي” يحاول استجلاء دوافع “حفظ القضيَّة”، وسبر أغوار خلفيَّاتها، بصورة مغرقة في السَّذاجة! فالنظام، في بعض هذه التَّحليلات، عقد، مِن تحت المائدة، صفقة مع الغرب، يستقيل البشير، بمقتضاها، كي يفسح المجال لتكوين حكومة تقبل بها أمريكا وأوربا، مقابل تجميد القضيَّة المرفوعة ضدَّه، تمهيداً لشطبها نهائيَّاً! وفي تحليل آخر أبرمت أمريكا مؤامرة مع بن سودا تعيد، بموجبها، ملف قضيَّة البشير إلى مجلس الأمن كي تتمكَّن أمريكا من إرسال فرقة كوماندوز تقبض عليه! وفي تحليل ثالث فإن هدف بنسودا هو “استفزاز” مجلس الأمن لدفعه، كما لو كان كياناً موحَّداً، للتَّحرُّك .. وهلمَّجرَّا!
تذهب كلَّ هذه التفسيرات وغيرها، على سذاجتها البائنة، باتجاه “السِّياسة” المجرَّدة، دون أن تحفل بإقامة أقلِّ اعتبار للبُعد “القانوني” للإجراء، كونها تصدر، كما النظام السُّوداني نفسه، للعجب، عن افتراض ضالٍّ بتبعيَّة الآي سي سي، بالكليَّة، للقوى الدَّوليَّة ذات المنعة والسَّطوة داخل المجلس وخارجه؛ وذلك على حين بقيت أسئلة المليون دولار بلا إجابة، وهي: ما الذي “حفظت” بنسودا على وجه التَّعيين؟! وما السَّند “القانوني” لقرارها؟! وما المدى “المحدود” لتداخله “النسبي”، لا “المطلق”، مع “السِّياسة”؟! وما فرصة الضَّحايا = ذوي المصلحة في تحدِّيه؟!
(3)
الإجابة على هذه الأسئلة، بأكبر قدر من الوثوق، تستلزم، بلا شكٍّ، دراسة بحثيَّة وافية كافية لا يتيحها، يقيناً، مجال تعليق صحفي فوري كالذي نحن بصدده هنا، وقد نتوفر عليها مستقبلاً. أما في مستوى تعليقنا الحالي فربَّما يكفي أن نستذكر بعض القواعد القانونيَّة العامَّة. فحتَّى لو افترضنا، جدلاً، أن ما صدر عن مكتب بنسودا هو قرار بـ “حفظ” القضايا “السَّابقة”، للزمنا أن نقرِّر، مبدئيَّاً، أن مثل هذا الأمر مِمَّا يقع في دائرة “الصَّواب والخطأ” من الناحية “القانونيَّة”، دون أن يعني ذلك، بالضَّرورة، أن ثمَّة مؤامرة “سياسيَّة” ما! ذلك أن المعلوم من اختصاص الادعاء، في كلا النظامين القانونيين الوطني والدَّولي، أنه، عندما يواجَه، أثناء تحقيق متطاول، باستحالة تحديد متهم بعينه، أو بانعدام الأدلة ضدَّه تماماً، أو حتَّى بعدم كفايتها لاستصدار حكم بإدانته، يكون له قيد الحادثة ضد مجهول، و”حفظ التحقيق” فيها لحين ظهور أدلة جديدة، أو نشوء إمكانيَّة لتوجيه الاتهام إلى شخص معيَّن، حيث لا يجوز للمحقق، في مثل هذه الحالات، أن يلجأ إلى تقديم أيِّ متهم للمحكمة مستنداً، فحسب، إلى سلطتها في تقرير براءته بمعرفتها، وذلك لخطورة المحاكمة، في حدِّ ذاتها، على سمعة المتهم، ابتداءً، دَعْ نفسيَّته، ووقته، وربَّما ماله.
مهما يكن من أمر، فالادِّعاء لا يملك، بأيِّ حال، أن يصدر قراراً بشأن إجراءات خرجت من ولايته، ودخلت في ولاية “القضاء”. كما وأن “الحفظ” نفسه لا يُعتبر، في نهاية المطاف، حكماً “قضائيَّاً”، كون الحكم “القضائي” يصدر عن محكمة، والمحكمة لا تقضي بـ “الحفظ”، وإنَّما بـ “الإدانة” أو “البراءة”، فهو، إذن، محض إجراء “إداري” يباشره المحقق عندما تقتضي ذلك أسبابه لحين زوالها، حيث يمكن، عندئذٍ، إعادة تحريك الإجراءات، مجدَّداً، مع حقِّ المتضرِّر، قبل ذلك، في سلوك سبل الطعن فيه حسب النظام القانوني الذي تخضع له الإجراءات.
(4)
مع ذلك كله، ليس صحيحاً، البتَّة، أن بنسودا اتخذت قراراً بـ “حفظ” القضايا “السَّابقة” التي انتهى التحقيق فيها بتوجيه اتهامات محدَّدة، إلى متَّهمين محدَّدين، وعُرضت على محكمة ما قبل المحاكمة Pre–trial Court، أو ما يُعرف بالدَّائرة التَّمهيديَّة المختصَّة بمرحلة القبول Admissibility، حسب “نظام روما لسنة 1998م Rome Statute”، والتي فحصتها، وأجازت الاتِّهامات الموجَّهة بشأنها إلى متَّهمين محدَّدين، وأصدرت، من ثمَّ، أوامر القبض فيها، بل إن بعضها عُرض حتى على دائرة الاستئناف، كما حدث بالنسبة لقضيَّة البشير في ما يتَّصل بالخلاف حول قبول أو رفض تضمين لائحة الاتِّهام جريمة “الإبادة Genocide”. ومن ثمَّ صار يمتنع على “الادعاء”، كما سلفت الإشارة، اتِّخاذ أيِّ قرار في تلك القضايا “السَّابقة”. بل إن بنسودا نفسها لم تشر إليها، أصلاً، في بيانها أمام مجلس الأمن، اللهمَّ إلا على سبيل “الحالات المماثلة similar cases”، وذلك في معرض نقدها لافتقار المجلس لأيِّ استراتيجيَّةِ تحرُّكٍ تجاه الانتهاكات في الإقليم.
ما قالت المدَّعية العامَّة بالتحديد هو أنها “رَكَنَتْ على الرَّف shelved”، بحسب تعبيرها حرفيَّاً، أيَّ “تحقيق جديد” في جرائم الحرب التي ما تزال ترتكب في دارفور، كترويع المدنيين بالقصف الجَّوي، وهجمات الجنجويد، والقتل، والاغتصابات، فضلاً عن الاعتداء علي المنظمات الإنسانيَّة، وعلى بعثة الأمم المتَّحدة نفسها في الإقليم. كما استخدمت بتعبير آخر، وحرفيَّاً أيضاً، كلمة “تنوِّم hibernate”، في وصف ما اضطرت لفعله بشأن أيِّ “تحقيق جديد” في “الجَّرائم الجَّديدة”، وذلك إلى أن يعيد مجلس الأمن النظر في طريقة تناوله للأزمة، قائلة: “أصبح من الصعب عليَّ المثول أمامكم والحديث إليكم بينما كل ما أقوم به هو تكرار نفس الكلام، ومعظمه معروف للمجلس”!
ولدى لقائها، بمكتبها بالأمم المتَّحدة، مساء 15 ديسمبر 2014م، بوفد من رابطة أبناء دارفور بنيويورك، أوضحت بنسودا أن بيانها أمام مجلس الأمن لا يعني سوى عدم فتح “تحقيقات جديدة”، ما لم يحدث رد فعل إيجابي من المجلس، مؤكدة أن قرارها لا يمس قضيَّة المتهمين “السَّابقين” (سودانيزاونلاين؛ 15 ديسمبر 2014م).
وهذا ما أكده، من جانبه أيضاً، فادي العبد الله، الناطق باسم الآي سي سي، حيث أشار، بوضوح، إلى أن قرار الادِّعاء يعني، فقط، وقف إجراء “تحقيقات جديدة”، ولا يعني إسقاط التهم “السَّابقة”، أو يؤثر على موقف المحكمة بشأن ملاحقة المتَّهمين فيها، حيث ستظلُّ مذكرات التوقيف بحقهم سارية (سودانايل؛ 16 ديسمبر 2014م).
وإذن، فقد وقع الخلط، ولا بُدَّ، بسبب إسناد بنسودا قرارها بعدم جدوى أيِّ “تحقيق جديد” إلى الفشل في تقديم المتَّهمين، في “الحالات المشابهة السَّابقة”، إلى العدالة.
(5)
تَلزَمنا، في النهاية، كلمة نضئ بها المدى الذي يمكن فيه للضحايا ذوي المصلحة اتخاذ موقف يؤثر على القرار. فعلى الرُّغم من أن هؤلاء لا يُعتبرون طرفاً يمكنه، بصورة مطلقة، أن يطعن أو يتداول في مسألة ما، إلا أن “نظام روما” يمنحهم، مع ذلك، حقوقاً نسبيَّة يستطيعون ممارستها في إبداء ملاحظاتهم للقضاة بشأن بعض الأمور، حيث لهم، في ما عدا “التَّسبُّب” بفتح التحقيق ابتداءً، المشاركة في بعض مراحل الإجراءات، إلى حدِّ “التأثير” حتى على قرار محكمة ما قبل المحاكمة “الدَّائرة التَّمهيديَّة”، بشأن منح أو عدم منح المدَّعي العام الإذن اللازم لـ “الشُّروع” في تحقيق ما، من ناحية، أو بشأن مراجعة قراره بـ “الامتناع”، من ناحية أخرى، عن “الشُّروع” في مثل هذا التحقيق، الأمر الذي يعني أن بمستطاعهم المشاركة بالاعتراض، خصوصاً عن طريق ممثليهم القانونيين، على قرار بنسودا الحالي بـ “الامتناع” عن “الشُّروع” في أيِّ تحقيق “جديد”.
مهما يكن من أمر، وعلى الرُّغم مِمَّا يمكن أن تواجهه هذه المشاركة من معيقات تشريعيَّة تعود إلى عدم قطعيَّة النُّصوص الحاكمة على هذه المسألة في “نظام روما”، الأمر الذي يضيِّق من فرص الضحايا في تحدِّي challenge هذا القرار، فإن جدوى إجراءات “المحكمة” تظلُّ، مع ذلك، أكبر مِن جدوى قرارات “المجلس”. فـ “المحكمة” ليست آليَّة “سياسيَّة”، كما يعتقد البعض خطأ، وليست جزءاً من منظمة الأمم المتحدة، كـ “المجلس”، أو حتَّى كمحكمة العدل الدَّوليَّة، وإنَّما هي مؤسَّسة عدليَّة دائمة وُجدت بنضالات وتضحيات ملايين الناس من مختلف الشُّعوب، وتتمتع باستقلاليَّة تامَّة. ومن المهم ملاحظة أن “المجلس” يعمل بموجب “ميثاق الأمم المتَّحدة UN Charter” القائم، لا يزال، على توازنات ما بعد الحرب العالميَّة الثانية، بما في ذلك حق الفيتو الذي تتمتع به بعض الدُّول فقط، كالصين وروسيا الداعمتين للنظام السَّوداني، في حين تعمل “المحكمة” بموجب “نظام روما Rome Statute” الذي لا فضل فيه لدولة على أخرى، اللهمَّ إلا في ما يتَّصل بنص المادَّة/13/ب التي تتيح لـ “المجلس” إحالة أيِّ قضيَّة إلى “المحكمة”، تحت الفصل السَّابع من “الميثاق”، الأمر الذي يعتبر من زاوية “الأمر الواقع”، محض “تحصيل حاصل”، وتغييره لا يكون باستعراض “عضلات” غير موجودة، أصلاً، وإنما بالنضال المستقيم من أجل تعديل ميزان القوَّة الدَّولي في الواقع الفعلي على الأرض لمن استطاع إلى ذلك سبيلا!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*